تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

مدخل منهجي:
تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة.
مدخل عام:
رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟
ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على إدراك المفاهيم المستوردة، فيتأخر فهمها، أو تُعاد صياغتها بصورة مشوّهة، مما يُفضي إلى تكرار دورات الصدام والرفض الثقافي.
سؤال المقال والفرضيات:
ما الآليات المجازية والثقافية التي تُعيد إنتاج مفاهيم الليبرالية والنسوية بصورةٍ مشوَّهةٍ أو مبترَة في الخطاب العربي؟
الفرضيات:
- هيمنةُ استعارة - المجتمع/الدولة = عائلة أبويّة - تُقلِّص قابليّة استيعاب تصوّرات المساواة الأفقيّة.
- النموذج الأوّلي السلبي للغرب -استعمار، تغريب، انحلال- يُسبق أيّ تقويم موضوعيّ.
- كلّ مفهومٍ وافدٍ يُفلِح في الاندماج عندما يُعاد تأطيرُه داخل استعارات مألوفة، مثل المجتمع = تعاقد تشاركيّ مثلًا.
المفهوم بين اللسان والثقافة:
إن العلاقة القائمة بين المفردة في المعجم وما دلّت عليه في الدلالة والمعنى هي في الأصل علاقة قائمة بين اللغة الأم وما تعارف عليه أبناء البيئة اللغوية. لهذا "ينظر إلى المعنى على أنه متصل بالتجربة فهو متكامل مع الجوانب الأخرى والخبرات والحوادث". وتُعامل الكلمة، على حدّ رأي جاكندوف، باعتبارها جزءًا من الذاكرة وليس من المعجم اللغوي. ولهذا استُدعيت التعاريف الدلالية لهذه المفاهيم من بيئتها الثقافية التي أنتجته
خلفيّة مختصرة لنشأة المفاهيم في سياقها الغربي:
الليبرالية: نشأت الليبرالية بوصفها ردّ فعل على مجموعة من العوامل الثقافية والسياسية المتجذّرة في المجتمعات الأوروبية، وفي مقدّمتها نظرية "الحق الإلهي للملوك"، التي منحت الشرعية للسلطة الملكية المطلقة، وجعلت الكنيسة شريكًا مباشرًا فيها. وقد تزامن ذلك مع فلسفة تشاؤمية عن الطبيعة البشرية، تفترض أن الإنسان أناني غير قادر على إدارة شؤونه، ما استدعى وجود سلطتين ضابطتين: دينية ودنيوية.
في هذا السياق، جاء جون لوك بفلسفته الليبرالية، مؤمنًا بأن الإنسان ليس متوحشًا بطبيعته، بل قادر على تأسيس مجتمع سياسي قائم على العقل والمنفعة. وقد بنى نظريته السياسية على ثلاثة حقوق طبيعية: الحياة، والحرية، والملكية. ورأى أن هذه الحقوق ليست منحة من الحاكم، بل حقوق فطرية يولد بها الإنسان.
دعا لوك إلى الفصل بين الدين والسياسة، معتبرًا أن دور الكنيسة روحي محض، وأن على الدولة أن تضمن حيادية السلطة. وقد رفض استخدام القسر الديني، مؤكدًا أن الحرية الدينية ضرورة للعدالة.
ويظن عبد الله العروي بأن الحرية الفردية كانت محور مشروع الحداثة الليبرالية، وأن الليبرالية جاءت من صراع داخلي في الثقافة الغربية ضد استبداد الكنيسة والإقطاع، فأنتجت تصورًا عقلانيًا لحقوق الفرد.
النسوية: انطلقت بوصفها احتجاجًا على الإقصاء السياسي والتعليمي والاجتماعي للنساء في أوروبا القرن التاسع عشر، حين حُرمن من التصويت والمشاركة في القرارات السياسية، ومن التعليم الجامعي إذ اقتصر التعليم في أوربا على الذكور، وخضعن لقوانين وصاية ذكورية صارمة على التصرف في الممتلكات والأموال الخاصة. وقد أدى هذا الواقع إلى ولادة حركة نسوية تطالب بالمساواة والعدالة، وتنازع الهيمنة الذكورية في الحياة العامة والخاصة.
تؤكد روزماري تونغ أن النسوية لم تكن فكرًا موحّدًا، بل حقلًا متنوعًا من التيارات، كالراديكالية، والاشتراكية، والليبرالية، ونسوية ما بعد الحداثة، وغيرها. وتشير سيلفيا والبـي إلى أن النسوية ليست معارضة قانونية فقط، بل مواجهة لبنية اجتماعية شاملة قائمة على البطريركية.
- آليات الإدراك الجماعي في الثقافة العربية/ كيف تُبنى التصوّرات الجماعية في الذهنية العربية؟
- آلياتُ التلقّي المجازي في الخطابات العربيّة:
1. "الغرب" كنموذج أوّلي سلبي:
أعادت التجربة الاستعمارية والسياسات الثقافية الرسمية إنتاج الغرب بوصفه أيقونة للهيمنة والانحلال. لذا تُقرأ أي فكرة موسومة بالغربية داخل هذا الإطار المسبق.
2. استعارة "العائلة الأبوية":
يرى معظم الخطاب السياسي الشعبي الدولة بوصفها أبًا والمواطنين أبناءً. ما يجعل أي مطالبة بالمساواة تُفهم كتمرّد على النظام الطبيعي.
إن مفاهيم مثل النسوية والليبرالية لم تُولد في الأساس باعتبارها كيانات أو تصوّرات وجودية ماثلة في العالم الخارجي الملموس، بل هي تجارب فكرية وثقافية نابعة من سياقات مخصوصة، لا تعبّر بالضرورة عن وقائع موضوعية عالمية. فهي لا تعكس "واقعًا خارجيًا" يُدرك بالحواس كما في الكائنات الفيزيائية، بل نشأت نتيجة تراكمات تاريخية داخل بيئة محددة، واستجابت لظروف اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية معينة.
ومن هنا، تُشبه هذه المفاهيم المجردات الثقافية في الثقافة العربية مثل الكرم والشرف، التي لا تمتلك مقابلات وجودية مباشرة في العالم الخارجي، بل تترسّخ في الذهن العربي من خلال ممارسات وسلوكيات ثقافية تتكرر حتى تُنتج صورة ذهنية واستعدادًا إدراكيًا عند سماع اللفظ. فكما يبيّن إبراهيم التركي في كتابه دراسات في البلاغة الإدراكية، فإن المفاهيم ليست معطى ثابتًا بل تتأثر بـالبيئة والثقافة والظروف المتغيرة المحيطة بها.
وبناءً على ذلك، فإن استقبال المفاهيم المستوردة مثل النسوية أو الليبرالية لا يتم تلقائيًا على هيئة "بُنى عقلية أولية" كما يتوهّم البعض، بل يمرّ عبر منظومة ذهنية مسبقة لدى المتلقي، تربط اللفظ الوافد بانطباعات وإطارات دلالية سابقة.
كذلك يشير الدكتور طعمة في كتبه البناء الذهني للمفاهيم في هذا السياق إلى أن العقل لا يتعامل مع المفاهيم كتركيبات مفككة تُحلّل حسب شروط إنتاجها التاريخي، بل غالبًا ما يختزلها في صورة ذهنية انطباعية، في حقيقتها ليست المعنى الكامل للمفهوم بل مجرد تمثّله العام في وعي المتلقي. هذا يعني أن الدماغ، عند استقبال مفاهيم دخيلة، لا يراجع بُناها الاجتماعية أو خلفياتها السياسية، بل يربطها تلقائيًا بشبكة من المفاهيم المتداولة في ثقافته الأصلية، لذلك، يصبح من الضروري – بوصفنا متلقّين – أن نبني نموذجًا إدراكيًا تأطيريًا يحتوي المفهوم المستورد ضمن بنية ذهنية مفهومة، تتيح إدراكه لا بوصفه دخيلًا فقط، بل بوصفه جزءًا من منظومة معرفية أوسع يمكن مساءلتها وفهمها بعمق، لا اختزالها في صورة مشوّشة أو استجابة وجدانية سطحية.
- أثر البنية اللغوية والثقافية في تشكيل الفهم -الاستعارات المهيمنة-
المفهوم الوافد: النسويّة/ الليبراليّةالاستعارة الشعبيّة: النسويّة = هدم الأسرةالليبراليّة = فوضى/إلحادالجانب المُبرَز: حرّيّةٌ منفلتة / سيادة القانونالجانب المُخفي: صراعُ الجندر/ العدالة والكرامة الغرب كنموذج أولي:
ويشير الزناد في كتابه نظريات لسانية عرفنية، فإن أي كلمة لم تُسمَع من قبل تفشل في استدعاء صورة ذهنية واضحة؛ أما إذا نجح المتلقي في استدعاء نموذج تصوّري عنها، فإن هذا النموذج يصبح راسخًا في المعنى لدى أبناء اللغة، ويتحول مع الزمن إلى نموذج أولي انطباعي، نتيجة للتصوّر الذي أضفى عليه البعد الثقافي. ولهذا السبب، تكتسب بعض التراكيب اللغوية سمة ثبات دلالي، حتى تغدو مع مرور الزمن علامة مميزة تشير إلى فرد أو جماعة أو شعب، كما يؤكد عبابنة في كتابه مقدمة في اللسانيات الإدراكية.
والسؤال المطروح هنا:
إذا قلتُ لك، كقارئ عربي، اللفظ "غربي" أو "الغرب" – فما هي الصور الذهنية والتداعيات التي تخطر في ذهنك؟
في إطار اللسانيات الإدراكية، تنطلق نظرية النموذج الأولي، لتفسير كيفية تشكّل التصورات الذهنية للمفاهيم. فحين نقول مثلًا: طائر، فإن العقل يستدعي تلقائيًا النموذج الأولي للطائر – وهو كائن ذو ريش، يطير، يبيض، وله جناحان.
ورغم أن الدجاجة والبطريق لا يطيران، إلا أن العقل يصنّفهما لاحقًا داخل النموذج استنادًا إلى عملية المقارنة والتأطير، لأنهما يفتقران لعنصر “الطيران” الذي يشكل جوهر النموذج الأولي في الذهن.
على هذا المنوال، فإن كلمة "غربي" أو "الغرب" لا تُستقبل في الذهن بوصفها محايدة أو مجردة، بل تستدعي فورًا شبكة من النماذج والتصورات الثقافية والسياسية والتاريخية، التي تتداخل وتتفاوت بحسب تجربة المتلقي وسياقه الثقافي.
إذن هذه الدلالة المتشكّلة حول النموذج الأولي للمفاهيم ليست دلالة بريئة أو طبيعية، بل هي محصّلة للمكتسبات المعرفية، والخبرات الاجتماعية، والتجارب التاريخية التي راكمها المجتمع. ولهذا، فإن قبول هذه الدلالة أو رفضها ليس مسألة لغوية خالصة، بل مسألة ثقافية وذهنية معقدة.
وعليه، فإن السؤال النقدي الجوهري الذي يجب طرحه هو:
ما الذي يستدعيه الذهن العربي، تلقائيًا، عند سماعه كلمة "غربي"؟
هل يستدعي "العلم"، "الاستعمار"، "الفردانية"، "التفوق"، "التفكك الأسري"، أم شيئًا آخر؟
الإجابة على هذا السؤال لا يمكن أن تكون واحدة أو حاسمة، لأنها تعتمد على النموذج الذهني السائد داخل الجماعة الثقافية، وهو ما يجعل فهم المفاهيم المستوردة – ومنها "الغرب" – رهينًا بإطارها المفهومي المحلي، لا بأصلها الخارجي فقط.
يرتبط مفهوم "الغربي/الغرب" في الذهنية العربية بنموذج أولي سلبي يكون استعارات مثل "الهيمنة" "الاستعمار" "التغريب" "الانحلال الأخلاقي" "الهدم الديني" وهي استعارات انتجتها التجارب الحسية، والتاريخية، والاجتماعية المتراكمة، التي أسهمت في تشكيل انطباع سلبي يتسم بالتوجّس الثقافي. فقد تحوّل لفظ "غربي" في الخطاب العربي، لا سيما في السياقات السياسية والثقافية، إلى مؤشر على قوى استعمارية شريرة، هادمة، تسعى إلى تقويض الأخلاق وتفكيك البنى الاجتماعية.
هذه الصورة لم تنشأ من فراغ، بل تكونت عبر إطار إدراكي أولي يربط الغرب بمنظومة متكاملة من المفاهيم: الهيمنة، الاحتلال، التغريب، التحديث القسري، الفساد الأخلاقي، وفقدان الهوية. ونتيجة لذلك، فإن كل ما يصدر عن "الغرب" من حركات ودعوات وإنتاج معرفي أو فكري أو سياسي أو اقتصادي، يُستقبل غالبًا داخل هذا التصنيف الأولي، ويُفهم في ضوء الصورة الأصلية الراسخة في الذهن الجمعي.
وحتى مع وجود مقاربات تاريخية يمكن أن تُجرى بين "الشرق" و"الغرب" من حيث الأفعال التوسعية والاستعمارية وارتكاب العنف والهيمنة، إلا أن الإدراك العربي غالبًا لا يقوم على المقارنة الموضوعية أو التقييم المعياري المتوازن، بل على الاستدعاء التلقائي للنموذج الأولي المتوارث، الذي يُطغى عليه الانفعال والموقف الثقافي المسبق أكثر من العقل التحليلي.
وما ساهم في ترسيخ هذا النموذج الشيطاني للغرب ما يُسمّيه الباحث في الفكر السياسي نزار القحطاني "بالتجربة التاريخية المريرة مع الاستعمار الأوروبي"، إذ يوضح أن الحداثة الغربية لم تدخل العالم العربي كخيار فكري داخلي، بل كمشروع أُفرِض من الخارج عبر مؤسسات استعمارية هدفت إلى إعادة تشكيل البنى المحلية لخدمة مصالح القوى الإمبريالية.
مثال على ذلك أن فرنسا وبريطانيا، قد فرضتا أنظمة تعليمية وإدارية "حديثة"، لكنها كانت تخدم البنية الاستعمارية ولم تُفضِ إلى قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية أو عدالة مؤسسية. وعلى هذا الأساس، ارتبط مشروع التحديث في الوعي العربي بالاستعمار، لا بالتطوّر الطبيعي للمجتمع، وهو ما جعله يبدو "قوة غريبة مفروضة من الخارج" لا نابعة من الذات الحضارية المحلية. ويضيف القحطاني:
"المشكلة أن العرب لم يخوضوا الحداثة بالطريقة التي خاضها بها الأوروبيون. ففي أوروبا، جاءت الحداثة نتيجة حراك داخلي طويل، أما في العالم العربي، فقد جاءت عبر الاستعمار، مما جعلها تبدو كقوة دخيلة غريبة، لا امتدادًا لوعي داخلي ناضج."
وعليه، فإن كل المفاهيم التي رافقت تلك الحداثة الغربية، ومن ضمنها النسوية والليبرالية والعلمانية، صارت في الذهن العربي محمولة على دلالة سلبية ومشوّهة، لأنها ارتبطت بالسلطة القسرية وبانتهاك السيادة لا بالتحرر أو الإصلاح، وهذا ما يفسّر لماذا تظل المفاهيم المستوردة محل ارتياب ثقافي عميق، مهما كانت قيمها المعلنة.
ولم تتوقف الإشكالية عند حدود الاستعمار المباشر فحسب، بل امتد أثرها إلى التجارب العربية التي استوردت المفاهيم الغربية – كـالاشتراكية مثلًا – في سياق ما بعد الاستعمار. فكما يُشير نزار القحطاني، فإن التحرر السياسي الشكلي من الاستعمار لم يُفضِ إلى مشروع تحديث حقيقي في معظم الدول العربية، بل دخلت هذه الدول في مرحلة استبداد داخلي استخدم خطاب الحداثة قناعًا لممارسات سلطوية.
و "حتى بعد الاستقلال عن الاستعمار، كان يُفترض أن تدخل الدول العربية في مرحلة تحديث حقيقية، لكن بدلًا من ذلك، دخلت معظمها في أنظمة حكم استبدادية، استخدمت خطاب الحداثة في الظاهر، لكنها في الواقع أسست أنظمة قمعية لم تسمح بتطور فكري حقيقي.ففي مصر، حاول جمال عبد الناصر تطبيق نموذج تحديثي اشتراكي، لكنه اعتمد على سلطة مركزية صارمة حالت دون قيام حياة سياسية وفكرية حرة". "وفي العراق وسوريا، رفع حزب البعث شعارات التقدم والوحدة، لكنه في الواقع مارس سياسات قمعية ومنع الحريات العامة، مما حال دون تشكّل مجتمع حديث حقيقي."
مثل هذه التجارب، ساهمت في ترسيخ صورة النموذج الشيطاني للغرب في الذهن العربي، ليس فقط لأن الغرب كان القوة المستعمرة، بل لأن كل ما استُورد منه من مفاهيم وأطر تحديث، بدا وكأنه واجهة لغزو ثقافي أو مشروع تغريب، لا نهضة حقيقية. وهكذا، تعزز في الوعي الجمعي العربي تصوّرٌ سلبي متجذّر لكل ما يأتي من الغرب، سواء كان مفاهيم سياسية، أو أنظمة اقتصادية، أو حتى أطروحات ثقافية وفكرية.
- الاستعارات المهيمنة من النموذج الأول (النسوية = تهديد للأسرة، الليبرالية = إلحاد)
في كتابهما "الاستعارات التي نحيا بها"، يشير الكاتبان جورج لاكوف ومارك جونسون في الفصل الثالث المعنون "بـالانتظامية الاستعارية: إبراز وإخفاء" إلى حقيقة مهمّة، وهي أن الاستعارة المفهومية لا تنقل المعنى بحيادية، بل تسلّط الضوء على جوانب معينة من المفهوم وتُخفي جوانب أخرى. بمعنى آخر، كل استعارة تخلق بؤرة إدراكية تسحب الانتباه إلى سمات محددة من التجربة، بينما تهمّش أو تُقصي سمات أخرى. وعليه، فإن استقبالنا للمفاهيم المستوردة لا يتم بوصفها مشاريع معرفية متكاملة لها أرضيات تاريخية واجتماعية معقّدة، ولا ننظر إليها غالبًا كفرص إنسانية أو تجارب قابلة للتكييف المحلي.
فعلى سبيل المثال، حين يصل مفهوم "النسوية" إلى الثقافة العربية، فإنه لا يُفهم غالبًا في سياقه الحقوقي الإنساني، بل يُعاد تأطيره ضمن استعارات محلية ذات حمولة سلبية أو قتالية، كما لو كان "معركة بين الجنسين" أو "تمردًا على القوامة"، وهو ما يبرز الجانب التصادمي في الخطاب النسوي ويُخفي بُعده الإنساني المتعلق بالعدالة والمساواة والكرامة.
وينطبق الأمر نفسه على مفهوم الليبرالية، فعندما يُقدَّم من خلال استعارة مضلِّلة تصفه بـ"الفوضى" أو "التحلل الأخلاقي"، فإن الاستعارة تضيء جانب "الحرية المنفلتة" وتُخفي الجوانب الأخرى المرتبطة بـسيادة القانون، وبناء المؤسسات، وحماية الحريات ضمن إطار مسؤول.
وباختصار، الاستعارات التي نحيا بها — أي تلك التي نُدرك بها العالم ونتبنّاها ضمن أطرنا الثقافية — قد تحرّف فهمنا للمفاهيم، لأن المعنى المتكوّن في الذهن لا يتبع بنية المفهوم الأصلية، بل يتشكل بحسب ما تبرزه الاستعارة السائدة وما تُقصيه من أبعاد.
- تأخّر الاستقبال وتشويه الفهم:
إلى جانب النموذج الأولي للمفاهيم، تتخذ المفاهيم الوافدة، مثل النسوية والليبرالية والشيوعية، طبائع مغايرة للسياق الثقافي السائد في المجتمعات العربية، مما يساهم في مقاومتها، وتأخر استقبالها، وربما محاربتها أو تشويهها.
في الفصل الخامس من كتاب "الاستعارات التي نحيا بها"، والمعنون "بالاستعارة والاتساق الثقافي"، يطرح كل من جورج لاكوف ومارك جونسون" فكرة محورية، مفادها أن القيم والمفاهيم الأساسية في أي ثقافة ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببنية استعاراتها المفهومية. فالثقافة لا تنظر إلى العالم بشكل مباشر، بل تبني نسقًا استعاريًا متماسكًا يعكس رؤيتها للعالم، ويُؤطّر مفاهيمها وقيمها عبر استعارات متكررة. وأي قيمة جديدة أو وافدة لا تنسجم مع هذا النسق يتم رفضها أو تحويرها لتأخذ دلالات سلبية متّسقة مع الإطار القائم.
يعلّق الكاتبان على ذلك قائلين إن منظومة القيم في أي مجتمع ليست قائمة بذاتها، بل يجب أن تتناسق مع الاستعارات التي يعيشها الأفراد إدراكيًا. لذلك، فإن قبول المفاهيم والقيم الجديدة يشترط قدرتها على الالتحام بنسق الاستعارات السائدة، أو إعادة تأويلها بطريقة تجعلها قابلة للتكامل داخل هذا النسق.
انطلاقًا من هذا الطرح، يمكن تفسير تأخر وصول مفاهيم مثل الليبرالية أو النسوية إلى بعض المجتمعات العربية بأن هذه المفاهيم قد تتضمّن رؤى وقيمًا لا تنسجم مع الاستعارات المفهومية الراسخة محليًا.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت البنية السياسية والاجتماعية في مجتمع ما ترتكز إلى استعارة "الوطن/المجتمع كالعائلة الأبوية"، حيث تُفهم السلطة على أنها هرمية (الأب أعلى من الأبناء) والنظام الاجتماعي كترتيب ثابت لا يجوز تغييره، فإن مفهوم الليبرالية، الذي يقوم على حرية الفرد والمساواة القانونية، قد يُواجه تأخرًا في القبول.
هذا لأن الليبرالية تفترض استعارة مختلفة جذريًا، مثل: "المجتمع تعاقد بين أفراد متساوين" أو "الدولة مساحة مشتركة"، وهي استعارات قد لا تكون متجذّرة في النسق الذهني التقليدي. وحين تصل مثل هذه المفاهيم قبل أن تنضج استعاراتها التفسيرية داخل الثقافة الجديدة، فإنها تُفهم غالبًا بصورة مشوّهة نتيجة إسقاطها على الاستعارات القائمة.
فمثلًا، قد يُفهم خطاب النسوية في مجتمع تقليدي من خلال استعارة "النسوية تهدّد بناء الأسرة"، حيث تُتصوّر الأسرة كمبنى مستقر وأي تغيير فيه يُعدّ هدمًا لبنيته، فتُحوّل النسوية من مشروع تحرّري إلى مصدر تفكك وخطر.
وهكذا، توضح نظرية الاتساق الاستعاري أن عدم انسجام المفهوم الوافد مع البنية الاستعارية المحلية يؤدي إلى واحد من احتمالين:
إما رفضه بالكامل، أو إعادة تشكيله ضمن استعارة منسجمة مع الثقافة الأصلية، مما يفسّر تأخر قبول المفاهيم أو ظهورها بشكل محرفٍ عن أصلها المفاهيمي.
- التطرّف كردّ فعل إدراكي: كيف يؤدي الخوف والتهديد إلى تفسير كل فكرة بطريقة ثنائية؟
إن افتراض إدخال فكرة جديدة إلى ثقافة ما لا يعني مجرد نقل مصطلح أو مفهوم، بل هو في حقيقته محاولة لزرع استعارة أو إطار مفهومي جديد في تربة ثقافية قائمة.
وهنا تبرز إحدى النقاط التحليلية الجوهرية في كتاب لاكوف وجونسون:
"لا يمكننا أن ندرك الاستعارات أو نكتسب مفاهيم جديدة بمعزل عن تجربتنا الثقافية والإدراكية الراسخة."
فإذا كانت التجربة الثقافية المحلية – كما هو الحال في السياق العربي – لا تحتوي على بنى مفاهيمية مشابهة للاستعارة الغربية الكامنة خلف المفهوم الحديث (سواء كانت استعارة زمنية، أو اجتماعية، أو أخلاقية)، فإن المفهوم سيواجه صعوبة في الاندماج، ويحتاج إلى عملية تكيّف إدراكي وثقافي ليُفهم ويُستوعب.
وأحيانًا، قد يُرفض المفهوم ضمنيًا لأنه لا يتوافق مع التصورات المجازية السائدة محليًا. وفي أحيان أخرى، يُقبل المفهوم لكن بعد تحوير معناه وتأطيره من جديد بما يتلاءم مع النسق الثقافي القائم.
في الحالة الثانية، غالبًا ما يتم تسليط الضوء على جانب واحد فقط من المفهوم – وهو عادةً ذلك الجانب الذي يمكن إسقاطه بسهولة على الاستعارات الثقافية المتجذّرة – بينما تُهمّش الجوانب الأخرى التي قد تكون مركزية في بنية المفهوم الأصلية.
وبهذا المعنى، يعمل النسق المجازي السائد في الثقافة كمصفاة معرفية؛ لا تمرّ إلى الذهن الجمعي إلا تلك المعاني التي تنسجم مع القوالب المجازية المألوفة، في حين يُقصى كل ما لا يُترجم ضمن هذا الإطار.
- نماذج تطبيقية:
- فاطمة أحمد حافظ/ مقال بعنوان: الخطاب النسوي المعاصر .. صورة من قريب
وما الحرب التي خاضتها النسويات المصريات مؤخرا حول ضرورة تدريس الثقافة الجنسية بالمدارس إلا خطوة أولى في سبيل تعميم مثل هذه الأفكار.
- المنهج التعلمي= حرب وصراع دمويّ، عدوّ، خطر وجودي.
تدريس الثقافة الجنسية يبرّز كمفهوم «التهديد الأخلاقي» ويُخفي البعدَ الوقائي التربوي، حيث يصوَّر المنهاج الجنسي بوصفه عدوانًا خارجيًّا يستدعي المقاومة، كذلك يغيب الخطاب البعد الصحّي (المعرفة بالجسد، الوقاية من التحرّش، الحدّ من الأمراض).
- طارق السويدان: من مقال تعرف على النسوية Feminism وحكمها في الإسلام.
النسوية هي حركة عالمية ضد التشريعات الربانية وضد كل شيء، فهي قائمة على الفكر الليبرالي وهو الحرية المطلقة للمرأة في جميع الممارسات ومساواتها مع الرجل في كل الحقوق، وهذه الفكرة تناقض مبدأ العبودية لله والاستسلام لشرعه والانقياد له بالطاعة بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
- الفكرُ المُعارِضُ= تمرّدٌ على السلطان الإلهي
- رأفت صلاح الدین: من دراسة وسقط صنم اللیبرالیة
واللیبرالیـة الفكریــة تقـوم علـى حریـة الاعتقـاد ، أي حریـة الإلحـاد ، وحریـة السـلوك ، أي، حریــة الــدعار ة والفجــور.
- الحرية الفكرية= انفلات أخلاقي
- موقع مركز الأبحاث العقائدية، جواب على سؤال:
وبالنسبة لدعوة الليبرالية بفصل الدين عن الحياة, فهو ما لا يرتضيه الإسلام إذ الإنسان مخلوق لله, وخالقه قد أوجب عليه جملة من الواجبات والأحكام التي ينبغي الالتزام بها, ولا يمكن الفصل بين الحياة والدين, الذي يعني الفصل بين التكاليف والإنسان.. مع ملاحظة ان هذه التكاليف قد شرّعها المولى سبحانه في واجباتها ومحرّماتها لصالح الإنسان نفسه لا لصالحه سبحانه.
الخطابُ هنا يوظِّف استعارتين مفهوميّتين متشابكتين:الأولى
الدين= روحُ الحياة بحيث يُصوَّر الفصل بينهما كفصلِ الجسد عن روحه
والثانية الله سيّدٌ مُكلِّف = والإنسان عبدٌ مكلَّف، فتُعاد صياغة الليبراليّة بوصفها تمرُّدًا على أوامر السيّد، ما يبرِز بُعدَ العصيان ويُقصي النقاشَ المؤسَّسي حول حدود التشريع البشريّ.
- خاتمة
بيّن هذا المقال أن أزمة المفاهيم الحداثية في الثقافة العربية ليست معرفية فقط، بل دلالية وإدراكية. وأن البنية المجازية الحاكمة تُعيق استقبال مفاهيم كالليبرالية والنسوية. ولتجاوز هذه الأزمة، لا بد من:
- إعادة تأطير المفاهيم داخل استعارات مألوفة ثقافيًا (كأن نرى المجتمع كعقد تشاركي لا أسرة أبوية).
- بناء تعليم نقدي لغوي يُمكّن المتعلّم من تمييز ما تبرزه الاستعارات وما تخفيه، ويكشف كيف تعمل اللغة على تكوين الفهم والانفعال.
فإن لم ننجح في ذلك، سنبقى داخل دوائر الرفض والتوجس والشيطنة، وسنفشل في بناء وعي متصالح مع مفاهيم كونية تُعنى بالحرية والعدالة والكرامة.
مفاهيم لسانية:
المصادر والمراجع:
• الزناد، الأزهر. نظريات لسانية عرفنية. بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2011.
• التركي، إبراهيم. دراسات في البلاغة الإدراكية. الرياض: مركز الفكر المعرفي، 2020.
• طعمة، عبد الرحمن. البناء الذهني للمفاهيم: بحث في تكامل علوم اللسان وآليات العرفان. دمشق: دار الفكر، 2021.
• عبابنة، يحيى. مقدمة في اللسانيات الإدراكية. عمّان: دار كنوز المعرفة، 2019.
• العروي، عبد الله. مفهوم الحداثة. بيروت: المركز الثقافي العربي، 1992.
• صليبا، جميل. المعجم الفلسفي. بيروت: دار الكتاب اللبناني ومكتبة المدرسة، 1982.
• ماركس، كارل، وفريدريك إنجلز. بيان الحزب الشيوعي. ترجمة العفيف الأخضر. بيروت: دار ابن خلدون، 1975.
• عبد الحميد، صائب. موسوعة فلسفة التاريخ. بغداد: مركز البيدر للدراسات والتخطيط، 2024.
• لوك، جون. في الحكم المدني. ترجمة ماجد فخري. اللجنة الدولية لترجمة الروائع الإنسانية، 1959.
- مقتبسة في: أحمد حسن بدوي. "جون لوك وأساسيات الثقافة الليبرالية". جريدة الشرق الأوسط، 2017.
• محسن، حوراء حامد. جون لوك ومفهوم الليبرالية. محاضرة جامعية، جامعة المستنصرية، 2024.
• القحطاني، نزار. (مداخلات وتحليلات منشورة في تقارير ومقالات فكرية، تاريخ النشر غير موثّق بدقة).
• مقال لماذا تأخرت الحداثة في العالم العربي
موقع شباك. (https://shobbakmedia.com/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AA%D8%A3%D8%AE%D8%B1%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%9F/.
ثانيًا: المراجع الأجنبية
• Lakoff, George, and Mark Johnson. Metaphors We Live By. Chicago: University of Chicago Press, 1980.
• Tong, Rosemarie. Feminist Thought: A More Comprehensive Introduction. 3rd ed. Boulder: Westview Press, 2009.
• Walby, Sylvia. Theorizing Patriarchy. Oxford: Basil Blackwell, 1990.
• Paletschek, Sylvia, and Bianka Pietrow-Ennker, eds. Women’s Emancipation Movements in the Nineteenth Century: A European Perspective. Stanford, CA: Stanford University Press, 2003.
• Fox, Rachel, and Victoria Thompson. Women in Nineteenth-Century Europe. London: Bloomsbury Academic, 2004.
• Hunt, Margaret. Women in Eighteenth-Century Europe. London: Routledge, 2010.
• Samuelson, Mary. “Votes for Women: The British Suffrage Campaign 1866–1928.” In Oxford Research Encyclopedia of British History. Oxford University Press, 2019. https://oxfordre.com/history.
• Hunt, Lynn, ed. The French Revolution and Human Rights: A Brief Documentary History. Boston: Bedford/St. Martin’s, 1996.
• Freedman, Jane. Feminism. Buckingham: Open University Press, 2001.
• Jackendoff, Ray. Semantics and Cognition. Cambridge, MA: MIT Press, 1983.
قرأت المقال بتأنٍ وقد أعجبني كثيراً لما يحمله من قيمة معرفية مهمة، وأود أن أضيف بعض الأفكار التي أراها مكمّلة أو داعمة لما طُرح فيه. صحيح أن استيراد الأفكار بين الحضارات عملية طبيعية لم تتوقف منذ فجر المعرفة، وهي مفيدة إذا كانت بوعي ودراسة، لكن عندما يكون هذا الاستيراد عشوائياً لمجرد أنها رائجة وناجحة في مكان آخر، فذلك سيستلب وعي الناقل بذاته الحضارية فيبدأ بالتفكير في عقل الآخر و بعقل الآخر!! لقد اعتاد المفكّر العربي، وللأسف الشديد، على الوقوع في مغالطة جسيمة عند استيراد الأفكار الغربية، وهي مغالطة القياس مع الفارق. إذ يتم نقل الأفكار دون وعي كافٍ بالمنقول ذاته، والمنقول منه، والمنقول إليه. والواجب هنا أن تُمنح الخصائص حقها في التمايز والاختلاف، وذلك من خلال دراسة السياقات والأسباب والظروف المحيطة بتلك الأفكار، وكذلك طريقة توظيفها الملائمة.
ردحذف