من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-
- تمهيد:
في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟
ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟
في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.
يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.
- إشكالية البحث:
رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتفوق، حتى في أكثر اللحظات التي تكبّدت فيها الأحزاب والدول الشيعية خسائر جلية واستراتيجية.
نلاحظ أن هذا الخطاب لا يعكس الفضاء الواقعي كما هو، بل يُصرّ على صناعة فضاء رمزي بديل يُعاد فيه تعريف الهزيمة كأخلاق، والخسارة كصمود، والفوضى كتمكين.
هذا الانفصال بين الواقع والخطاب، بين المأزق والبلاغة، يطرح إشكالية إدراكية معرفية محورية
تتكأ على هذا السؤال: ما الأسباب التي تدفع الخطاب السياسي الشيعي إلى إنتاج بلاغةٍ تتعارض مع معطيات الواقع، بدلًا عن تبنّي بلاغة واقعية تصف المأزق كما هو؟ ولماذا يتبنى الانتصار الرمزي على الاعتراف العقلاني؟
- كربلاء بوصفها مخططًا إدراكيًا:
يقول بيير بورديو إن "السلطة الرمزية لا تعمل بوصفها سلطةً مرئية صريحة، بل بوصفها سلطةً خفية، غير واعية، حتى لدى من يمارسونها أو يخضعون لها." فكلما كانت السلطة الرمزية غير مصرح بها، كانت أشد تأثيرًا، لأنها لا تخاطب الذهن الحاضر، بل تستهدف البنى النفسية والذهنية العميقة، متخفّيةً وراء أنظمة معتادة: كالدين، والوطن، والهوية، والفضيلة.
ينطبق هذا التوصيف بدقة على الخطاب السياسي الشيعي، الذي في أغلب مراحله لم يُنتج خطابه من خلال الواقع المنطقي، بل من خلال استدعاء الفضاء الرمزي لكربلاء، بوصفه فضاءًا تأسيسيًا وهدف أولي تنطلق منه النتائج المترجية أو المتمنية.
ومع التجارب السياسية الشيعية، تحوّلت كربلاء من واقعة تاريخية محصورة زمنًا ومكانًا، إلى مخطط ذهني مفتوح، تُستدعى فيه رموز مثل: الاستشهاد، الدم، البطولة، الغدر، الصبر، النصر الأخلاقي، وتُوظَّف هذه الرموز في كل سياق سياسي، لتأدية وظائف نفسية وربما سياسية، تُنظّم الوعي السلطوي والجماهيري وتُعيد تأطير الأحداث وفق منطق رمزي لا وفق تحليل سياسي واقعي.
وفي السياق الشيعي، تُعاد القضايا السياسية المعاصرة صياغتها معرفيًا بوصفها تكرارًا رمزيًا لواقعة كربلاء: إذ تُرى المقاومة الشيعية نفسها امتدادًا للحسين بن علي، بوصفه الرمز الأعلى للحق والعدالة والتضحية، فيما يُعاد تشكيل الخصم سياسيًا كان أو عسكريًا على هيئة يزيد بن معاوية، باعتباره تجسيدًا للظلم والانحراف والطغيان.
وبذلك، لا يُبنى الخطاب السياسي الشيعي على تحليل واقعي موضوعي للحدث، بل على فضاء رمزي يعيد توزيع الأدوار بين الحسين ويزيد، وبين الحق والباطل، وبين المقاومة والعدوان، وهذا ما يُنتج بلاغة انتصارية دائمة، تتناقض أحيانًا مع المعطيات الميدانية والواقع السياسي.
لكن السؤال الجوهري يبقى مطروحًا: ما الذي يجعل البُنى الذهنية في العقل السياسي الشيعي تميل إلى هذا النمط من الإدراك الرمزي؟ وما هي التفسيرات اللسانية والمعرفية التي يمكن أن تفسّر هذه الظاهرة الخطابية المتكررة؟
- المزج التصوري كآلية عقلية سياسية
نظرية العوالم الممكنة واشتغالها في الخطاب الرمزي الشيعي:
تقوم نظرية (العوالم الممكنة) ويُشار إليها أحيانًا في بعض المباحث اللسانية باسم المزج التصوري للفضاءات الذهنية أو "الفضاءات التصورية" أو "الأفضية التصورية" على فكرة بسيطة وعميقة في آن:
وهي أن الإدراك البشري لا يكتفي بتفسير الواقع كما هو، بل يمتلك قدرة على تخيّل عوالم أخرى بديلة، وهي عوالم محتملة، أو مفترضة، أو متخيلة، لكنها تظل مرتبطة بالعالم الحقيقي ومأخوذة من عناصره.
أي "تنشأ عوالم متصورة تقابل العالم الواقعي ويكون هذا الأنشاء لمثل هذه العوالم من قبيل التمني والترجي"
"للبحث عن ما هو مفقود في العالم الحقيقي" وتسعى هذه النظرية إلى فهم العلاقة بين هذه العوالم المتخيلة وبين العالم الواقعي، من خلال أدوات منطقية ولسانية، منها:
الصدق والإحالة: أي مدى ارتباط ما يُقال بما له وجود واقعي يمكن الرجوع إليه.
الحقيقة والصحة: هل يبدو الخطاب مقبولًا أو مبررًا في ذهن المتلقي، حتى لو لم يكن مطابقًا للواقع؟
منطق القضايا الموجهة: كأن يقول الخطاب: "كان يجب أن يحصل"، "من الممكن أن يحدث"، "ينبغي أن يكون"، فيُنشئ عالماً "ينبغي أن يوجد" بدلًا من الاكتفاء بوصف الموجود.
بهذا المعنى، تصبح العوالم الممكنة جسرًا معرفيًا بين الواقع والخيال، يُستخدم في الخطاب لصياغة رؤية بديلة للعالم، أو للهروب من الواقع، أو لإعادة تأطيره بصورة مقبولة وجدانيًا ومعرفيًا ترى فيه أن هذا هو الصواب والتوازن الطبيعي.
- كيف تعمل هذه النظرية في الخطاب من منظور لساني–إدراكي؟
كل مفهوم يحتاج حين يُعبَّر عنه خطابيًا بناء فضاءين ذهنيين في العقل على الأقل:
فضاء أول يُسمى المصدر (يمثل الواقع السياسي، أو الاجتماعي، أو الأخلاقي الراهن، أو الواقع الشخصي).
تكون فيه الحقائق المنطقية المحققة والي يرغب المتكلم فيها بتغييرها أو تعديلها أو تبديلها.
فضاء ثانٍ يُسمى الفضاء الهدف (يُستدعى عادة من التاريخ أو من الدين أو من الخيال الجماعي أو من التجربة الشخصية)، يكون فيه الواقع المفروض والمرفوض كما هو.
فضاء ثالث (يحقق التوازن المطلوب بين الفضائيين الأول والثاني) تتغير فيه الوقائع وتضبط كما يفترض أن تكون في ذهنية المتكلم.
هذا لأن العقل البشري يمتلك خاصية وقدرة على الربط بين هذه الأفضية ويمزج بين العوالم الواقعية والمتصورة على أساس التطابق الرمزي، أي أنه يربط بين عوالم فكرية من مجالين مختلفين يكون بينهم نوعًا من التشابه أو التماثل.
بهذا الربط، يُعيد الذهن تنظيم المعنى، ويكوّن ما يُعرف بالعالم المتصوَّر، وهو بناء ذهني جديد، ليس مجرد نسخة من الواقع، بل محاولة لملء النقص فيه، أو تصحيحه، أو تخيله بصورة أفضل.
إذن حين يشعر المتكلم بأن العالم الواقعي غير كافٍ، أو غير عادل، أو مأزوم، ينتقل بخطابه إلى عالم متخيل يبحث فيه عما هو غائب أو مفقود بواسطة آلية المزج الذهني بين هذه العوالم، إذ يُنشئ المتكلم فضاءً إدراكيًا بديلًا، يختلف عن الفضاء الواقعي في الزمان والمكان والنتائج.
وهذا الفضاء الجديد لا يحاكي الواقع كما هو، بل يُعيد ترتيبه مستعينًا بالرموز الثقافية والدينية والجماعية التي تعيد ترتيب المعنى وتخلق أملًا معرفيًا في الخلاص أو الانتصار أو العدالة.
فالخطاب إذن لا يكتفي بوصف الحاضر، بل يتحول إلى فعل لغوي معرفي، يُنتج عالماً وكأنه الحقيقة التي يجب أن تكون أو التي كان ينبغي أن تكون.
- الفضاءات الثلاثة: كيف يشتغل الخطاب سياسيًا؟
الخطاب الرمزي – خصوصًا في السياسة والدين – غالبًا ما يُنشئ ثلاثة فضاءات إدراكية مترابطة:
1. فضاء أول (أساسي):
يحتوي على عناصر الواقع الفعلي: الوقائع، التهديدات، المأزق السياسي أو الضعف الاجتماعي.
2. فضاء ثانٍ (فضاء المخاطر):
يُستدعى فيه عنصر التهديد أو العدو أو الهزيمة، ويُقدّم العالم وكأنه على وشك الانهيار أو التهديد التام.
3. فضاء ثالث (فضاء الخلاص):
يُنتج فيه الخطاب حلاً رمزيًا أو معنويًا: كالنصر الأخلاقي، أو تحقيق الكرامة، أو الثبات، أو التمكين المنتظر، وهو ما يُقدَّم على أنه العالم الصحيح أو المستحق.
بهذه الطريقة، لا يكون الخطاب مجرّد نقل وتوجيه، بل إعادة بناء معرفية للواقع تُوجّه إدراك المتكلم والمخاطب نحو موقف نفسي وفكري محدد، حتى وإن كان ذلك الموقف يتعارض مع ما يُرى أو يُقاس في الواقع المادي.
- العوالم الممكنة والمزج التصوري في الخطاب السياسي الشيعي:
الفضاء الأول (الواقع السياسي الراهن):
يمثل هذا الفضاء الوضع الفعلي الذي تعيشه الأحزاب والمجتمعات والدول الشيعية.
يشمل هذا الفضاء الواقع الحالي والمنطقي المتحقق: مثل أزمات سياسية متكررة، فساد إداري أو حكومي، ودولي واقليمي، واحتلال أو تدخلات أجنبية مستمرة واغتيالات سياسية. وانقسامات داخلية وصراعات مذهبية، وخسارات عسكرية أو شعبية وهزائم متلاحقة.
هذا الفضاء هو الفضاء الواقعي الأساسي، لكنه غالبًا ما يكون مأزومًا، محبطًا، يمثل خلل في التوازن الكوني المعروف والمتوقع.
الفضاء الثاني (الفضاء الرمزي المصدر – كربلاء):
هو الفضاء الذي يُستدعى دائمًا في الخطاب السياسي الشيعي بوصفه العالم المرجعي الأعلى والذي يؤخذ منه الأدوات اللازمة لإصلاح الخلل وتثبيت الميزان. ومن هذه الأدوات:
كربلاء = الفضاء الذي يُمنح فيه الخاسر نصرًا أخلاقيًا مؤجلًا يتجاوز اللحظة والواقع.
الحسين بن علي = رمز الحق المطلق،
ويزيد = رمز الظلم والانحراف.
الجهاد = تفوق ونصر يتجاوز الهزيمة.
الفضاء الثالث (العالم الممكن المتخيل – النصر الرمزي):
هنا يتم دمج الفضائين لإنتاج عالم ثالث: يفترض فيه تحقيق التوازن وتعديل البوصلة. وكل صراع مع الآخر (أمريكا، إسرائيل، خصم داخلي) يُرى كمعركة بين الحسين ويزيد معركة النصر فيها مؤجل ولا تشترط نتائجه الحالية. وكل تضحية تُقدَّم بوصفها انتصار لا خسارة. كل فشل عسكري أو هزيمة سياسية يقدم بوصفه ابتلاء عظيم سينتهي بالنصر الأخلاقي أو التمكين الإلهي كما هو الحال مع نتيجة معركة كربلاء.
النتيجة: عالم بديل في ذهن الجمهور يُعيد تفسير الواقع المؤلم كملحمة أخلاقية سامية، وينقل الجماهير من شعور الهزيمة إلى شعور الانتصار والتفوق.
- نموذج تحليلي:
جاء في المصادر التاريخية أن الإمام الحسين بن علي، عندما وصله كتاب يزيد بن معاوية يطالبه بالبيعة، قال:
"إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة."
كما ورد عنه حين احتدم القتال في كربلاء قوله:
"ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة!"
أما العباس بن علي، حين قُطعت يده في ساحة المعركة، قال:
"والله إن قطعتموا يميني، إني أحامي أبدًا عن ديني، وعن إمام صادق اليقين، نجل النبي الطاهر الأمين."
وقال القاسم بن الحسن، ابن أخ الحسين:
"الموت أحلى من العسل"، وكان يقصد الموت في سبيل الكرامة، لا في ظل حكم مثل حكم يزيد.
كما نُقل عن علي الأكبر بن الحسين أنه قال لوالده قبل القتال:
"يا أبتِ، ألستَ على الحق؟ فقال له: بلى، والله، فأجابه: إذن، لا نبالي بالموت."
وجاء عن السيدة زينب بن علي شقيقة الحسين، حين سبيت ودخلت على عبيد الله بن زياد قال لها:
"كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت إلا جميلا، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع [الله] بينك وبينهم فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أمك يا بن مرجانة."
مثّلت أبرز هذه الخطابات في واقعة كربلاء خطاطات ذهنية متجذّرة في الإدراك الشيعي، وأصبحت لاحقًا مرجعية رمزية تستدعيها الخطابات السياسية الشيعية.
- مثال تطبيقي:
النموذج الأول: وكلات رسمية إيرانية
خطاب علي خامنئي
"الشعب الإيراني سيسحق تحت أقدامه كلّ من يوافق على العمالة لأمريكا"
الفضاء الأول (الواقع): البيئة الإقليمية تحاصر إيران وتحاول تقويض نفوذها.
النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة يفرض عقوبات وحروبًا بالوكالة.
الداخل الإيراني يعاني من أزمات اقتصادية ومظاهرات.
الفضاء الثاني (العالم الرمزي/التهديد): وكلاء داخليون في الشرق الأوسط يُتهمون بالعمالة أو بالخيانة للقضايا المحورية في الشرق. تلميح إلى نموذج "يزيد" أو "شمر" كرموز للخيانة.
خطاب يحذر من إعادة إنتاج الذلة
الفضاء الثالث (العالم المتخيل/الميزان والنتيجة):
الشعب الإيراني يسحق الخونة الراضخين للذل، يُستعاد هنا نموذج العباس والحسين من خلال صورة الصمود والتطهير.
يتم استبدال الواقع المتأزم بخطاب الواجب والتفوق الأخلاقي على العدو من خلال الفعل وعدم الاستسلام.
النموذج الثاني: موقع حزب الله
حسن نصر الله (تفجير البيجر 2025)
"إنّ ما حصل لن يمس لا بُنيتنا ولا إرادتنا ولا عزمنا ولا تماسكنا ولا قدرتنا ولا نظام القيادة والسيطرة عندنا ولا جهوزيتنا ولا حضورنا في الجبهات، بل سيزيدنا قوةً ومتانةً وصلابةً وحضورًا، وكونوا على يقين من ذلك"
الفضاء الأول الواقعي: الواقع السياسي/الأمني
-تفجير يستهدف بنية حساسة من بنى حزب الله
-حدث يمكن اعتباره اختراقًا نوعيًا.
-صدمة محتملة على صعيد التنظيم والسيطرة.
الفضاء الثاني: فضاء التهديد/الخطر
-استدعاء ضمني لفكرة الغدر أو الضربة التي تقابل بالصمود (بنية كربلائية).
الفضاء الثالث: فضاء الخلاص/النصر الميزان والعدالة.
-الخطاب لا يعترف بالخسارة، بل يُحوّلها إلى محرّك قوة: أي يزيدهم صلابة من منظورهم.
-يتم تثبيت صورة المقاومة كنظام لا يُخترق، مهما بدت الضربة قوية.
-تكرار النفي في الخطاب، يرسّخ صورة التحصّن التام، على طريقة خطابات كربلاء حين يواجه الحسين أو العباس السيف بالإيمان والثبات.
النموذج الثالث: موقع الإعلام الحربي اليمني
عبد الملك الحوثي:
"هذه المعاناة تحصل على الناس جميعاً، هي حاصلة في واقع أُمَّتنا الإسلامية بشكلٍ عام، في واقع الشعب الفلسطيني بشكلٍ عام، في واقع الأُمَّة بشكلٍ عام، معاناة من الجوع والخوف، شيءٍ من الخوف، شيءٍ من الجوع، نقص من الأموال والأنفس والثمرات، لكن في الاتِّجاه العملي مع الصبر، والصبر هنا يأتي في إطار العمل، في إطار الاستجابة لله سبحانه وتعالى، تأتي البشارة من الله."
الفضاء الأول: واقع الأمة الإسلامية.
الجوع، الخوف، نقص الموارد، العدوان، المأساة في فلسطين واليمن.
الفضاء الثاني: (الاحتمالي/المخاطر)
إمكانية الاستسلام، اليأس، أو الانهيار النفسي والمعنوي بسبب طول الأمد وكثافة الأزمات خصوصًا في غزة.
الفضاء الثالث (الرمزي العدالة والميزان)
البشارة الإلهية، الجزاء بالصبر، وعد الله، النصر الروحي والمعنوي، الفرج القريب.
الجزاء المستحق.
- لماذا يُنتج الخطاب عالمًا تصوّريًا محتمَلًا بدلًا من تصوير الواقع كما هو؟:
يقول راي جاكندوف في كتابه علم الدلالة والعرفانية: إن البنية الدلالية للغة عند المتكلم لا ترتبط مباشرة بالواقع الموضوعي، بل تعمل على تمثيله داخل عالم تصوّري يُفترض فيه المتكلم أنه العالم الموزون، وهذا البنى نماذج ذهنية يُبنى فيها العقل اعتمادًا على ما يدركه المتكلم والمتلقي من صور وأحداث ومفاهيم عن الواقع، كالعدالة والحق وغيرها. وبذلك، فإن اللغة لا تنقل الواقع، بل تنقل تصوّرًا عنه، وتصوغ تمثيلاته داخل الذهن وفق بنية معرفية متخيلة.
فالعالم التصوّري، بحسب جاكندوف، لا يخضع لمنطق التطابق مع الواقع، بل لمنطق "الصدق في الإحالة الذهنية"، و"المعقولية الإدراكية" في بناء المعنى.
وهذا ما يفسّر سبب ميل بعض الخطابات، خاصة في السياقات العقائدية والسياسية، إلى إنتاج فضاءات ذهنية بديلة تتجاوز الواقع. فبدلًا من مواجهة الحقائق المادية المباشرة، يُعاد تشكيل الواقع في الخطاب عبر استدعاء نماذج تاريخية أو رمزية تؤسس لبُنى معرفية "تعويضية".
وهنا تحديدًا يظهر الخطاب السياسي الشيعي كحالة نموذجية لهذه الآلية الإدراكية.
ففي حالات الانكسار السياسي أو العسكري، لا يميل هذا الخطاب إلى الاعتراف بالهزيمة أو القصور، بل يُفعّل مخططًا تصوريًا ثابتًا يستدعي واقعة كربلاء كمصدر رمزي، ويُدمجها مع الحدث المعاصر ليُنتج فضاءً إدراكيًا جديدًا يفترض فيه تحقيق التوازن الوجودي.
- لماذا تُبنى الفضاءات الذهنية في عقل المتكلم؟
بحسب ما جاء في كتاب دراسات نظرية وتطبيقية في علم الدلالة العرفانية للدكتور محمد الصالح البوعمراني، فإن بناء الفضاءات الذهنية في ذهن المتكلم يعود إلى حاجة معرفية عميقة لإعادة تحقيق التوازن الإدراكي في مواجهة الواقع المختل.
ذلك أن مفاهيم مثل الظلم والقهر تُفهم إدراكيًا كمظاهر لخلل وجودي في نظام يُفترض أنه قائم على العدل، مما يدفع الذهن إلى إنتاج نماذج بديلة تسعى لاستعادة هذا الاتزان. ويُعزى هذا الفهم إلى ما يسميه البوعمراني بنظرية التوازن الإدراكي، وهي نظرية تستند إلى تجربة الجسد الفيزيائية كمصدر أولي للفهم.
فالإنسان حين يشعر بتوازن جسدي (كالثبات أو الاستقامة)، يطابق ذلك شعوريًا مع التوازن النفسي والاجتماعي والأخلاقي. ومن هنا، يصبح اختلال هذا التوازن الفيزيائي صورة إدراكية لاختلال القيم أو المبادئ.
وتُنظر المؤسسات الدينية والسياسية، في المخيال الجمعي، على أنها أنظمة لضبط هذا التوازن الأخلاقي، ولهذا غالبًا ما يُجسّد مفهوم "العدالة" برمز الميزان، وهو رمز يُستمدّ من التجربة الحسية ذاتها.
هذا يعني أن العقل البشري، يكتسب من تجربته الجسدية فكرة أن التوازن هو جوهر الثبات الطبيعي للأشياء، ثم يُعمّم هذا الإدراك على مفاهيم مجردة وغير محسوسة، مثل: العدالة، والشرعية، والحق، والخلاص. ومن هنا، تنشأ الحاجة إلى بناء فضاءات ذهنية بديلة، يتم فيها ترميم الواقع المختل، وتوليد صور متخيلة تنقل الذات من شعور الانكسار إلى شعور بالاتزان، حتى وإن كان ذلك على مستوى التمثيل الرمزي لا الواقعي.
- الختام:
تبيّن من خلال هذا التحليل أن الخطاب السياسي الشيعي لا يشتغل بوصفه انعكاسًا آليًا للواقع، بل يعمل كأداة معرفية لإعادة تنظيم الإدراك للواقع المفترض حول قضايا معقدة ومتأزمة، عبر استدعاء مخططات رمزية راسخة في الذاكرة الجماعية، وعلى رأسها كربلاء. إن هذه البلاغة لا تسعى إلى إنكارالواقع، بقدر ما تعمل على إعادة تنظيمه داخل عالم متخيَّل أكثر توازنًا وقبولًا نفسيًا وأخلاقيًا.
أو من خلال نظرية العوالم الممكنة، يمكن فهم هذا الخطاب بوصفه محاولة عقلية للهروب من اختلال التوازن الواقعي نحو توازن رمزي، يُستعاد فيه الانتصار بوصفه وعدًا، ويُعاد تأويل الفقد بوصفه تضحية، والخسارة كصمود.
وفي هذا السياق، تبرز الرمزية الشيعية بوصفها تحديًا معرفيًا وثقافيًا، لا عسكريًا فقط. ففي دراسة بعنوان: الرمزية الدينية والتأطير الثقافي في السياسة الخارجية الإيرانية الحديثة:، يكتب الباحث الإيراني شهروخ أخوي "أن القوة الرمزية التي تولّدها الثورة الشيعية جعلتها مزعجة للمنظومة الغربية، لأنها تمثّل تحديًا معنويًا قبل أن تكون تحديًا عسكريًا." وهذا يؤكد أن الرموز والمخططات الذهنية في الخطاب السياسي الشيعي تعمل بوصفها أدوات اشتباك ناعم ومؤثّر، يعيد تشكيل الوعي، ويؤطر السلوك السياسي حتى في ظروف الهزيمة أو الحصار.
• مفاهيم ومصطلحات علمية:
السلطة الرمزية (Symbolic Power):
مصطلح طوره بيير بورديو، يُشير إلى نوع من السلطة غير المباشرة وغير المرئية، تُمارَس عبر الاعتقاد والطاعة الطوعية. لا تعمل هذه السلطة من خلال الإكراه، بل من خلال التواطؤ الصامت للأفراد الذين يخضعون لها دون وعي، لأنها تتخفى خلف أنساق مألوفة كالدين، اللغة، الهوية، والتقاليد، مما يجعل أثرها أشد وقعًا وأكثر رسوخًا في البنية الذهنية للفرد والجماعة.
2. البنية التصورية (Conceptual Structure):
وفقًا لراي جاكندوف، هي المستوى الذهني الذي تُشكَّل فيه المعاني، مستقلة عن البنى النحوية أو الصوتية. تقوم على تمثيلات عقلية (Mental Representations) تنقل اللغة من مجرد أصوات وتركيبات إلى فضاءات دلالية تمثّل مفاهيم وأحداثًا في "العالم التصوّري" الذي يُبنى داخل العقل ولا يعكس الواقع المادي مباشرة.
3. الفضاءات الذهنية (Mental Spaces):
مفهوم قدّمه فوكونييه وتورنر، يُقصد به بنيات ذهنية مؤقتة يُنشئها المتكلم في أثناء الخطاب، تضم تمثيلات مختلفة للواقع أو للخيال. هذه الفضاءات تسمح بفهم كيف يمكن للخطاب أن ينتقل بين أزمنة ومواقف وعوالم مختلفة، وأن يُدمج بين الماضي والحاضر، أو بين الواقع والممكن.
4. المزج التصوري (Conceptual Blending):
نظرية طرحتها جيل فوكونييه ومارك تورنر، تفترض أن الإدراك البشري يعمل على دمج معلومات من فضاءين ذهنيين مختلفين – أحدهما مصدر، والآخر هدف – لإنتاج فضاء ثالث أكثر غنى وتخييلاً. هذه العملية تُفسّر كيف تنشأ معاني مركّبة ومعقّدة في الخطاب، خصوصًا حين يُستدعى التاريخ أو الرمز لتأطير الواقع المعاصر.
5. العوالم الممكنة (Possible Worlds):
مفهوم فلسفي ولساني يشير إلى تمثيلات بديلة للواقع تُنتجها اللغة أو الخيال أو الاعتقاد. في اللسانيات العرفانية، تشير إلى كيف يبني العقل تصورًا لما "كان يمكن أن يكون" أو "ما يجب أن يكون"، كأداة للتعويض أو التنظيم النفسي للواقع. تُستخدم لتفسير كيف يتم بناء بلاغة الانتصار في سياق الهزيمة مثلًا.
6. المخطط المعرفي (Cognitive Schema):
هو إطار ذهني جاهز ينظّم الفهم والتأويل بناءً على خبرات سابقة أو موروث رمزي. يمثل المخطط بنية معرفية راسخة تُستدعى تلقائيًا عند مواجهة موقف مشابه. في السياق الشيعي، تتحول كربلاء إلى مخطط معرفي يُسقَط على كل لحظة مواجهة، ويعيد تأويل الحدث وفق الثنائية المعروفة: حسين/يزيد.
7. التوازن الإدراكي (Cognitive Balance):
نظرية تُشير إلى حاجة العقل البشري لاستعادة الانسجام النفسي والمعنوي عندما يواجه واقعًا مختلًّا أو غير عادل. وتفترض أن الإنسان، من خلال تجربته الجسدية بالتوازن الفيزيائي، يُعمّم هذا النموذج ليشمل المفاهيم المجردة (كالحق، العدل، الكرامة). لذا يسعى إلى بناء فضاءات ذهنية تعيد إليه هذا الاتزان.
• المصادر والمراجع:
كتب ومراجع عربية:
1. الزناد، الأزهر.
نظريات لسانية عرفنية.
بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة، 2011.
2. طعمة، عبد الرحمن.
البناء الذهني للمفاهيم: بحث في تكامل علوم اللسان وآليات العرفان.
دمشق: دار الفكر، 2021.
3. عبابنة، يحيى.
مقدمة في اللسانيات الإدراكية.
عمّان: دار كنوز المعرفة، بدون تاريخ.
4. البوعمراني، محمد الصالح.
دراسات نظرية وتطبيقية في علم الدلالة العرفانية.
بدون دار نشر واضحة.
5. دحمان، عمر بن.
البلاغة المعرفية عند مارك تورنر: الذهن، الأدب، والدمج التصوري.
مجلة الخطاب، العدد 2، مجلد 16، 2012.
6. الجراح، حيدر.
الشيعة السياسية.
شبكة النبأ المعلوماتية.
7.المجلسي، محمد باقر.
بحار الأنوار الجامع لدرر أخبار الأئمة الأطهار.
بيروت: مؤسسة الوفاء، ط2، 1403هـ / 1983م.
8. عبد الله البحراني.
العوالم: الإمام الحسين بن علي.
تحقيق: الشيخ حسين البحراني، قم: دار المفضل، بدون تاريخ.
كتب ومراجع أجنبية / مترجمة أو مستشهد بها في الدراسات:
7. Ray S. Jackendoff.
Semantics and Cognition.
MIT Press, 1983.
8. Joanna Kulska.
“Sanctifying Politics? The Case of Hungary and Poland.”
Religions, 2023, 14(4), 525.
https://doi.org/10.3390/rel14040525
9. Shahrokh Akhavi.
Religious Symbolism and Cultural Framing in Iran’s Modern Foreign Policy.
Berkeley Forum, 2019.
10. George N. Curzon.
Persia and the Persian Question.
London: Longman, 1892.
دراسات وسياقات نظرية مكملة:
11. بيير بورديو (نُقل عنه):
نظرية السلطة الرمزية – ضمن السياق المعرفي حول الخضوع اللاواعي للمفاهيم الرمزية.
12. Christopher Soper & Joel Fetzer.
(2018).
Religion and Nationalism in Global Perspective.
(أُشير إليهما في تحليل تأثير الدين في السياسة ضمن النظرية الحديثة للعلاقات الدينية والقومية).

تعليقات
إرسال تعليق