وصلتني رسالة من رئيس تحرير مجلة عربية مؤثرة في العالم العربي، بعد شهور من الانتظار؛ وهي، في الحقيقة، شهورٌ قليلة جدًا في حق مجلة من أهدافها نشر الوعي بين الجيل الجديد، وكما يقول رئيس تحريرها تحديدًا: «بثّ الثقافة في زمن توقفت فيه إشارات الانفتاح الثقافي بين الناس». يقول فيها: « عزيزتي، لقد اطّلعنا على المساهمة التي أرسلتِها للنشر، وقد وجدناها مشاركةً ذات طابع علمي وثقافي قيّم جدًا، غير أننا نعتذر لكِ عن النشر في مجلتنا؛ بسبب طابع الطرح الذي يميل إلى الرصانة العلمية ». و«الرصانة العلمية»، كما تبيّن لي لاحقًا، ليست ميزة؛ لكنها مخالفة صريحة لقواعد النشر. وعندما راجعتُ رئيس التحرير في طلب خجول لتوضيح مفهوم «الرصانة العلمية»، أخبرني أن مساهمتي لا تتّسق مع نوع القارئ الذي يحرص على الحفاظ عليه: قارئ يبحث عن خبر سريع « ما يعوّر راسه » ولا يُطلب منه أن يذهب إلى البحث بعد المقال أو قبله. قارئٌ يأكل النودلز لأنه يكره أن يقلي بيضة، هل تريدينه أن يترك مقالًا عن أخبار مسرحية «بطة البطوطة» ليقرأ لماذا هو يلهث خلف أخبار مسرحية «بطة البطوطة»؟! فس...
هل تقرأ قراءةً منهجية؟ لا يدرك القارئ دائمًا أن حكمه على ما يقرأه بالسلب أو الإيجاب قد يكون ناتجًا عن النفوذ الذي يمارسه إنسان ما عليه، ولا سيما النفوذ الفكري؛ كالديني أو الفلسفي أو حتى التربوي. فالسلطة واحدة من الطرق التي تتشكل بها الأحكام المسبقة التي ندخل بها إلى النص. والإقرار بأن كل فهمٍ يتضمن حكمًا مسبقًا هو موقف ناضج وواعٍ؛ إذ لن يحل مشكلة التصديق والإيمان والتأثر بما نقرأه ونتبناه من أفكار فحسب، بل سيجعلنا نميز بين الأحكام المسبقة التي نحملها في عقولنا، وبين الآراء الناشئة من التسرع، أو النابعة من احترامنا للآخرين وسلطتهم الفكرية علينا. تُروى حكاية عن أرسطو أنه قام في أحد الأيام بمسك ذبابة، وأخذ يعدّ أرجلها مرةً تلو أخرى أمام الحاضرين، وفي النهاية أعلن أن لها خمس أرجل فقط، فتقبّل الجميع النتيجة دون تحقق أو اعتراض، واستمر قبولهم لروايته أعوامًا عدة؛ لكونها صدرت من أرسطو ١ لكن عندما تمسك بذبابة وتعدّ أرجلها ستجدها ستة؛ فقد صادف أن ذبابة أرسطو فقدت إحدى أرجلها. وبصرف النظر عن دقة نسبة هذه الحكاية إلى أرسطو، فإنها تضعنا أمام سؤال يتجاوز عدد أرجل الذبابة نفسها: إذ...