التخطي إلى المحتوى الرئيسي

فلم (بعد العاصفة) لمريم البحراني: الحرب وآثارها النفسية في ذاكرة الإنسان.


 


هل يمكن أن تُولد العدالة من رفع السلاح؟ أم أن الحرب، مهما تزيّنت بشعارات الإصلاح، تظل فعلًا ضد الإنسان؟ في الحرب لا توجد خديعة، بل خداع منظم تحت عرش السلطة وعباءة العقيدة ولواء الولاء، تُباركها صحف تقدّس لتُدنّس بها الإنسانية. باسم كل كلمة مقدسة تُستدعى فيها الحرب، تأتي رافعة بيدها إعلان الإصلاح والخلاص، كأنها تُبشّر بعهدٍ جديد، بينما لا تورث سوى الرماد. فهل عرفنا حربًا أصلحت؟ حربًا لم تُفسد زرعًا ولا بنيانًا، ولم تُسفك دماء الأبرياء، ولم تتحطم فيها الأحلام وتُعطب النفوس؟ أذكر لي حربًا واحدة تُؤمن بأنها صالحة.


مابعد العاصفة: هل تهدأ العاصفة حقًا؟ هل الحرب تنتهي فعلًا، أم أنها تبدأ حين ينجو الإنسان من رمادها ليكتشف أنه أسير حتى آخر رمق؟ من ينجو من الحرب؟، أهو ناجٍ أم حاملٌ لندوبها في ذاكرته؟ هل يترك العنف للحلم والأمل موضعًا في نفس شهدت الخراب، أم أن العاصفة تستوطن الذاكرة، فتصير الحرب مقيمة في أعماق الهاربين منها؟.

فلم بعد العاصفة لمريم البحراني الفلم الذي يتناول آثار الحرب لا يعرض معركة عسكرية، بل صراعًا وجوديًا بين الإنسان وذاكرته، بين الرغبة في الحياة واستبداد الذاكرة العنيفة. فتتجلى فيه الجدلية الكبرى: أن النجاة الجسدي لا يعني النجاة النفسي، وأن ما بعد الحرب ليس سلامًا وأمنًا بل مرحلة إعادة تعريف للإنسانية والحياة.

يقول ميخائيل نعيمة: "الحرب لا تستعر نيرانها في أجواف المدافع فقط، بل في قلوب الناس وأفكارهم أيضًا."

الفلم الوثائقي (بعد العاصفة) لمريم البحراني يقدّم دراسة متعددة الأبعاد لتجربة الحرب عبر روايات ناجين من جنسيات وأمكنة مختلفة. لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يحلل تجربة الصدمة النفسية والجسدية التي تركتها الحرب في نفوس الناجين. وقد تم اختياره للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان البحرين السينمائي الدولي، ما يمنحه بعدًا رسميًا.

في ثلاث روايات مركزية، يعرض الفلم كيف تعامل الأفراد مع التغيرات المفاجئة في حياتهم، وكيف حاولوا التكيف مع آثار العنف وفقدان الأمان، مستعرضًا التحولات النفسية والوجدانية التي فرضتها الأزمة على الوعي الإنساني. إضافة إلى ذلك، يقدّم الفلم رؤى علمية من مختصين في علم النفس، تشرح آليات التعامل مع الصدمات النفسية والطرق الممكنة للحد من تأثيراتها الطويلة الأمد، مما يمنح المشاهد إطارًا تحليليًا لفهم ليس فقط تجربة الحرب، بل أيضًا لفهم كيفية إعادة بناء الذات بعد الانكسار.
يندرج فلم (مابعد العاصفة) ضمن الأفلام الوثائقية متعددة الأصوات، إذ يعتمد على شهادات شخصية متنوعة لعرض قضية مركزية واحدة، ما يعكس تنوع التجارب الإنسانية عبر الجنسيات والأمكنة والفترات الزمنية المختلفة. كما ينتمي إلى نوعية العرض التحليلي، حيث يدمج روايات الناجين مع تحليلات خبراء علم النفس لتفسير الظواهر الإنسانية بعد الحرب، محولًا التجربة الفردية إلى إطار معرفي أوسع يربط بين التجربة الشخصية والتأثير النفسي والاجتماعي.

تكمن قوة الفيلم في توثيق الذاكرة الإنسانية بصدق، وعمق الشهادات المقدمة، والتوازن الدقيق في تصوير الضحية والفاعل، إضافة إلى قدرة الإخراج على تحريك الحس الأخلاقي للمشاهد. بهذا المزج بين السرد الشخصي الواقعي والتحليل النفسي المعرفي، يصبح الفيلم مثالًا جيدًا على الوثائقي التفاعلي متعدد الأبعاد، القادر على مخاطبة العاطفة والمعرفة في آن واحد.

تضيف أيضًا المقطوعة الموسيقية للفنان حسن الحداد بعدًا وشعورًا عميقًا للفيلم، فهي تتناغم مع التجربة الحسية للناجين من الحرب، وتعمل كجسر بين المشاهد العاطفي والتحليل النفسي الذي يقدمه الفيلم. قدرة الحداد على نقل شعور الخراب والفقدان دون الكلمات تجعل الموسيقى لغة أخرى للذاكرة المؤلمة، فتسمح للمشاهد بالانغماس في التجربة.

رغم ذلك، عانى الإخراج والمونتاج من نقص في استغلال الكوادر الفنية الأساسية. فغاب الكادر الرمزي الذي يمثل فكرة مجردة، مثل الخراب واللون الرمادي المعدم، كما لم يُستغل الكادر السردي النفسي بشكل كافٍ ليعكس الحالة النفسية للشخصيات، وغابت الكوادر الإدراكية التي توجه المشاهد نحو فهم حجم الكارثة وهشاشة الإنسان أمام العنف.
كذلك اختيار المكان ليعكس الدمار كان محدودًا، إذ عكس المونتاج البيئة العتيقة الخليجية أكثر من رمزية الخراب، ووجود الطبيعة والزرع في مشهد المقطوعة الموسيقية أضعف الرمزية المقصودة. كما غاب الكادر الموحد، فكل شهادة وصوت حمل تأثيرًا فنيًا مغايرًا، مع تباين واضح في الباليت اللوني والديكور والموقع، مما أضعف تماسك المشهد وأدى إلى فقدان المزاج العام وتشتيت الفكرة الموحدة في ذهن المشاهد.

مع هذا يعد الفيلم تجربة بحرينية إنسانية شبابية واعدة، إذ يتجاوز الإطار الذاتي وإبراز الأنا والطموحي الفردي، ليحوّل التجارب إلى تجربة إنسانية مشتركة تقدم للعالم ترابطًا بين الحاضر والماضي والمستقبل، وأن التجربة الجماعية هنا لا تنفصل عن الفرد، فالحرب ليست حدثًا تاريخيًا محدودًا، بل ظاهرة إدراكية مستمرة في الذاكرة الإنسانية.

إن الحروب ليست بمعزلًا عن أحد، أنما هي تتجسد في لغتنا اليومية وفي تفاعلنا مع الحياة العامة: فالنقاش حرب، والطموح حرب، والتقدم والتحضر حرب، والفن والحب حرب.
مما يجعل الحرب تجربة فريدة في أثرها على الإنسان حتى الذي ظن بنفسه السلامة منها، فكلما تكررت صارت أكثر التصاقًا بنا من السلم نفسه. فهي لا تنتهي بمجرد توقف المعارك، بل تستمر في تشكيل الوعي والذاكرة والسلوكيات اليومية، فتترك أثرها في اللغة والعلاقات والطموحات وحتى في لحظات الفرح والحزن، بحيث يصبح السلام مجرد حالة نسبية، بينما الحرب تسكن داخلنا كواقع دائم غير مرئي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي -آليات التلاعب في الخطاب-

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي  -آليات التلاعب في الخطاب- أهمية الخطاب السياسي وسلطة اللغة في تشكيل الإدراك:       في عالم السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من ثروات مالية أو ترسانة عسكرية، بل بما تمتلكه من لغة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك وتوجيهه نحو الآخر. فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم فعليًا في تغييره، إذ تملك سلطة ذهنية هائلة تُمكنها من التحكم في المفردات، وإعادة إنتاج المفاهيم، وتهيئة العقول لتقبّل ما يُراد تمريره من دلالات وأفكار.      فاللغة، شأنها شأن الحدود السياسية، لا تعبر الواقع فحسب، بل تُعيد تقسيمه وفق منظور سلطوي معيّن. "إنها تصنيف مجسّد للأشياء من حولنا، تُعيد خلقها على مستوى الإدراك، وتهيّئ الدماغ لتلقّي المفاهيم ضمن قوالب أنطولوجية محددة. فهي تمنح كل فكرة دالًا ومدلولًا، وتُيسر عبورها إلى الوعي الجمعي، حتى تتحول إلى مفهوم "راسخ" يقاوم الشك والمراجعة.  ولذلك، فإن كل معركة سياسية تُخاض بسلاحين متلازمين: السلاح الفعلي، واللغة. وكما تقتل الرصاصة، قد تقتل الاستعارة كذلك، أو تبرر العدوا...