كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عن كتاب (الخالدون المئة) لمايكل هارت أثناء دراستي الجامعية، في محاضرةٍ لأستاذٍ كان على الأغلب يذمّ المستشرقين، لا لاستشراقهم وحسب؛ بل للأفكار المخالفة التي انطلقوا منها، ويخصّ بالذمّ من نقل عنهم واتبعهم دون مساءلة. غير أنّي وجدتُ في ذكره لهذا الكتاب تحديدًا تلطّفًا غير معهود، بل مسحةً من حنوٍّ وتمجيد. وقد راعني الأمر؛ فقد ذكر كتابًا لكاتبٍ غربيٍّ فلم يذمّه، بل توقّف عنده برِقّة، وذكر فيه ما رآه جديرًا بالذكر.
قال يومها: إن هذا الكتاب قد ترجمه أنيس منصور عن مايكل هارت، وقد اختصّ فيه هارت النبيَّ محمدًا بالمرتبة الأولى، واعتبره أفضل وأعظم من ترك أثرًا في تاريخ العالم.
عدتُ آنذاك إلى ترجمة أنيس منصور، فوجدتُ فيها ما أشار إليه أستاذ المحاضرة من نَعْتٍ طيّبٍ وتمجيدٍ واضحٍ لشخصية النبي محمد. توقّفتُ عند هذا النصّ المترجَم، ولم يخطر ببالي أن أفتّش عن النسخة الأصلية للكتاب.
وبعد سنواتٍ عدّة، حين أدركتُ عبر التعلّم والمطالعة والقراءة أن المترجم ليس دائمًا أمينًا في نقله، إذ قد تحكمه عقيدةٌ يحملها، أو فكرةٌ يُبشّر بها، أو يقع في السهو، أو يخونه الفهم، أو يجهل بعض ما ينقل، عدتُ إلى نصّ هارت الأصلي، وترجمتُه ترجمةً مباشرة.
ويُصنّف مايكل هارت في كتابه (الخالدون المئة) أعظمَ الشخصيات تأثيرًا في تاريخ الإنسان. وهذا الكتاب لا يقدّم تراجم تقليدية للشخصيات، فلا يركّز على النشأة، ولا النسب، ولا الوفاة، ولا يتعامل مع الشخصيات بوصفها نماذج أخلاقية يُحتفى بفضائلها، ولا بوصفها شخصيات فاسدة يُدان فسادها. إنما يُصنّف هارت شخصياته وفق معيار واحد صارم: مقدار تأثيرها التاريخي والإنساني في الأفراد والمجتمعات.
فيعرض هارت في كتابه المذكور قائمةً من مئة شخصية تاريخية، رتّبها بحسب ما كان يراه تأثيرًا فعليًا ملموسًا في المجتمعات عبر التاريخ، وبحسب ما أحدثته هذه الشخصيات من تحوّلات غيّرت مجرى التاريخ، لا بحسب عدالتها، ولا نُبل أخلاقها، ولا قيمها الإنسانية.
ولهذا نجد في الكتاب طيفًا واسعًا من الشخصيات المتباينة: قادةً دينيين، وساسة، وعلماء، ومفكرين، ومخترعين؛ فتجد فيه عيسى ومحمد، كما تجد هتلر وأفلاطون، دون أن يرى هارت في هذا الجمع تناقضًا، ما دام المعيار هو التأثير لا القيمة الأخلاقية.
وكان السؤال المركزي الذي بنى عليه هارت كتابه هو: من غيّر مجرى التاريخ أكثر؟ وانطلاقًا من هذا السؤال، قدّم شخصياته تقديمًا مجرّدًا يدّعي فيه الموضوعية، وأعاد تعريف مفهوم (العظمة) فجعلها مرتبطةً بمقدار التأثير، بغض النظر عن الفضيلة أو الرذيلة. وبهذا، فقد حرّر الحكم التاريخي من ثنائية التقديس والشيطنة، وقدّم شخصياته في صورةٍ مفادها أن التأثير قد يكون عظيمًا، حتى وإن كان صاحبه شريرًا أو غير أخلاقي -كما قد يعتقد أيٌّ منّا-.
ومن باب الإنصاف، وبناءً على ما توصلت إليه من خلال المقارنة بين النص الأصلي والنص المترجم، اتضح لي وجود اختلافات جوهرية بينهما. من بينها: مواطن حذفٍ أُفرغ فيها النصّ الأصليّ من بعض دلالاته ومضامينه، وتخفيف من حدة أفكار معيّنة في مقابل تعظيم أفكار أخرى. كما ووجدت تفسيراتٍ لم تَرِد في النصّ الأصلي بل أُقحِمت إقحامًا، وذلك على نحوٍ يخالف منهجية المؤلّف الأصلي، فضلًا عن تعديلاتٍ عمد فيها المترجم إلى إبراز أفكار معيّنة وإخفاء أخرى.
ولم تقتصر هذه التجاوزات على حدود اللغة وفروقاتها الصرفية والدلالية عند نقلها من سياقٍ إلى آخر، بل تجاوزتها إلى المستوى المعرفي والإيديولوجي، حيث غدا النصّ الأصلي في مواضع عدّة مطيّةً لرؤية المترجم، لا وعاءً لأفكار المؤلّف نفسه!
وقد رُصد في ترجمة أنيس منصور ما يُعرف بالتدجين الثقافي، إذ استخدم خطّةً تقوم على تكييف النصّ مع منظومته القيمية والأخلاقية، الأمر الذي يُعدّ طعنًا منهجيًا في مقاربة هارت العلمية، التي تقوم في أصلها على معيار القيمة التاريخية لا القيمة العقائدية أو الأخلاقية.
ولم يكتفِ المترجم بذلك؛ إذ تبيّن أن النصّ المترجَم يمارس إعادة كتابة للأفكار، لا بوصف المترجم ناقلًا محايدًا أمينًا، بل بوصفه منتجًا للنص، فأعاد تشكيل دلالاته وفق مرجعيته الفكرية الخاصة، لا وفق مرجعية المؤلّف الأصلي.
ومن هنا، سنعرض فيما يلي أجزاءً من نماذج مختارة من النصّ الأصلي، ونظيره المترجَم، بقصد الكشف عن تلك الإشكاليات المنهجية.
النصّ الأصلي:
Of humble origins, Muhammad founded and promulgated one of the world's great religions, and became an immensely effective political leader.
الترجمة الحرفية:
انطلاقاً من أصول متواضعة، أسس محمد ونشر أحد أعظم الأديان في العالم، وأصبح قائداً سياسياً فعالاً للغاية.
ترجمة أنيس منصور:
وقد دعا إلى الإسلام ونشره كواحدٍ من أعظم الديانات، وأصبح قائدًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا.
النصّ الأصلي:
as he approached forty, there was little outward indication that he was a remarkable person.
الترجمة الحرفية:
عندما اقترب من الأربعين، لم يكن هناك ما يدلّ ظاهريًا على أنه شخص مميّز.
ترجمة أنيس منصور:
ولمّا قارب الأربعين من عمره، كانت هناك أدلّة كثيرة على أنه ذو شخصيةٍ فذّة بين الناس.
النصّ الأصلي:
Most Arabs at that time were pagans and believed in many gods. There were, however, in Mecca, a small number of Jews and Christians; it was from them, most probably, that Muhammad first learned of a single, omnipotent God who ruled the entire universe. When he was forty years old, Muhammad became convinced that this one true God (Allah) was speaking to him (through the Archangel Gabriel) and had chosen him to spread the true faith.
الترجمة الحرفية:
كان معظم العرب في ذلك الوقت وثنيين، يؤمنون بآلهةٍ متعدّدة. ومع ذلك، كان هناك في مكة عددٌ قليل من اليهود والمسيحيين؛ ومنهم على الأرجح تعرّف محمد للمرة الأولى إلى إلهٍ واحدٍ قديرٍ يحكم الكون بأسره. وعندما بلغ الأربعين من عمره، اقتنع محمد بأن هذا الإله الواحد الحقّ (الله) كان يكلّمه عبر المَلَك جبريل وقد اختاره لنشر الإيمان الحقّ.
ترجمة أنيس منصور:
وكان أكثر العرب في ذلك الوقت وثنيين يعبدون الأصنام. وكان يسكن مكة عددٌ قليل من اليهود والنصارى، وكان النبي محمد على علمٍ بهاتين الديانتين. وفي الأربعين من عمره امتلأ قلبه إيمانًا بأن الله واحدٌ أحد، وأن وحيًا ينزل عليه من السماء، وأن الله قد اصطفاه ليحمل رسالةً ساميةً إلى الناس.
النصّ الأصلي:
In Mecca, he had had few followers. In Medina, he had many more, and he soon acquired an influence that made him virtually an absolute ruler.
الترجمة الحرفية:
في مكة، كان له أتباعٌ قلائل. أمّا في المدينة، فقد كان له أتباعٌ أكثر بكثير، وسرعان ما اكتسب نفوذًا جعله حاكمًا مطلقًا فعليًا.
ترجمة أنيس منصور:
وبسرعةٍ اكتسب الرسول والإسلام قوةً ومنعة، وأصبح محمد من أقوى وأعمق الشخصيات أثرًا في قلوب الناس.
النصّ الأصلي:
However, Mesopotamia and Egypt, the two cradles of ancient civilization, have remained Arab.
الترجمة الحرفية:
ومع ذلك، ظلّت بلاد ما بين النهرين ومصر –وهما مهدَا الحضارة القديمة– عربيّتَين.
ترجمة أنيس منصور:
أمّا مصر والعراق، مهدَا أقدم الحضارات الإنسانية، فقد انفصلتا، ولكن بقيتا على دين الإسلام.
النصّ الأصلي:
Moreover, he is the author of the Moslem holy scriptures, the Koran, a collection of Muhammad's statements that he believed had been divinely inspired. Most of these utterances were copied more or less faithfully during Muhammad's lifetime.
الترجمة الحرفية:
علاوةً على ذلك، فهو مؤلّف الكتاب المقدس لدى المسلمين، القرآن، وهو مجموعة من أقوال محمد التي كان يعتقد أنها موحى بها إلهيًّا. وقد نُسِخت معظم هذه الأقوال بأمانة إلى حد ما خلال حياة محمّد.
ترجمة أنيس منصور:
كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده، ونزل كاملًا، وسُجّلت آياته وهو ما يزال حيًا، وكان تسجيلًا في منتهى الدقة، فلم يتغيّر منه حرفٌ واحد.
ومن هذا المقام، لسنا مطالبين بمحاكمة هارت لأنّه خالف توقّعاتنا، أو لأنّ تصوّره لشخصية محمد لا ينسجم مع ما تلقّيناه من تراثٍ ديني حولها، كما لسنا بصدد صلب المترجم أنيس منصور بدعوى خيانة أمانة الترجمة. إنما نحن مطالبون، منهجيًا، بالكشف عن الخطأ المنهجي الذي وقع فيه المترجم، ورصد وجوه التحوّل التي أصابت النصّ عند ترجمته من سياقه الأصلي إلى سياقٍ ثقافيٍّ مغاير.
إذ في النصّ الأصلي، لا يقدّم هارت محمدًا بوصفه نبيًا مقدّسًا، ولا يعامل كتابه على أنّه كتابٌ معجز، ولا ينظر إلى نبوّته باعتبارها حقيقةً سماويةً ميتافيزيقية، بل يقدّمه بوصفه شخصيةً تاريخية استطاعت أن تترك أثرًا بالغًا في محيطها الجغرافي والإنساني، شخصيةً قياديةً وروحيةً أسهمت في إحداث تحوّلٍ جذري في المنطقة حين آمن بها الناس وتشكّلت حولها حركةٌ تاريخيةٌ فاعلة.
غير أنّ المترجم، عند نقله للنص، لم يلتزم بهذا الإطار المنهجي، بل عمد إلى إعادة كتابة النص، وإعادة تشكيل أفكاره وبنيته الحجاجية على نحوٍ يخالف مقاصد المؤلّف الأصلي. لم ينطلق أنيس منصور من مفهوم الترجمة بوصفها نقلًا معرفيًا أمينًا، بل انطلق بإصرارٍ واضح من استراتيجية التدجين الثقافي، في محاولةٍ موجّهة لتطويع الدلالة، وتكييف النصّ مع منظومته القيمية والأخلاقية والدينية. وقد أدّى ذلك إلى إدخال النصّ في حيّز التحوير، وإفراغه من بعض مفاهيمه العلمية المقصودة.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جرى نقل الخطاب من قالبٍ تاريخيٍّ تحليليٍّ إلى قالبٍ دينيٍّ وعظيٍّ، حيث استُبدل معيار التأثير التاريخي بخطابٍ تقويميٍّ أخلاقيٍّ ذي طابعٍ عقائديٍّ وتبشيري، بما أدّى إلى تقويض المنهجية التي التزم بها هارت، القائمة على التحليل التاريخي الصارم.
وبذلك، فقد النصّ الأصلي في ترجمته العربية صفته الأصليّة واستقلاليته العلمية، وتحول من نصٍّ معرفيٍّ تاريخي إلى نصٍّ إيديولوجي خاضعٍ لمرجعية المترجم، لا لمرجعية المؤلّف. وهذا النوع من التحريف لا يغيّر النصّ وحده، ولا يخون المؤلّف الأصلي فحسب، بل يُعدّ خيانةً للمتلقّي الذي قد يصعب عليه الوصول إلى النصّ الأصلي وفهمه أو ترجمته، في الوقت نفسه الذي يُسلب فيه حقه في اتخاذ موقفٍ أو وجهة نظر فردية. وهذا التحريف يحوّل تلقي التاريخ من تحليلٍ منهجي إلى موقفٍ عاطفي أو قيمي، حيث يصبح التلقي محكومًا بما قرّره المترجم وحده.

تعليقات
إرسال تعليق