التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النموذج الأول في البنى الإدراكية للمُتديّن المتطّرف: دراسة في تشكيل التصوّرات وتمييز الفئات الدينية.

عند التعمّق في البُنى التركيبية داخل المجتمعات المتديّنة، يُلحظ نمطٌ طِرازيّ متكرّر يتمثّل في: النظرة الأحادية، ونمذجة المبادئ، وتوحيد الخطاب، والتركيز على تبنّي نمطٍ لغويّ واحدٍ يُعمَّم، فيصعب مع الزمن خَرْقُه أو تحويلُه أو مقاومتُه. كما يُلاحظ وجود متلازمٍ سياقيٍّ سلوكيٍّ يرافق ثباتَ ذلك النمط، مثل الصراعات الفكرية التي تؤدي إلى إقصاء بعض الأفراد أو الجماعات التي تنحرف عن سمات النمط المألوف. 

وقد رافقتْ هذه النزاعات جملةٌ من الأفعال الجماعية بين الأطراف المتباينة في الرأي والتوجهات الفكرية والعقائدية، تمثّلت في الصراع والانقسام بدلًا من التلاقي والتعايش، وتوجيهِ خطاباتِ كراهيةٍ قاسيةٍ تحوّلت إلى تراشُقٍ لفظيٍّ فاحش، وانقلب الخطابُ من خطابِ رأيٍ إلى خطابِ شخصنةٍ ذاتيةٍ يُوجَّه إلى من يُخالف النموذجَ المألوف.

     إذن، في هذه الدراسة، وبالاستعانة بالدراسات اللسانية العرفانية الإدراكية مع التركيز على نظرية النموذج الطِّرازيّ الأوّل، سنحاول تقديم تفسير علمي لهذه الأحداث ولِهذه الظاهرة، كما سنستهدف الذهنية الدينية من أجل فهمها وتفسير كيفية تعاطيها مع المعاني والعالم المحيط بها، وذلك عن طريق تحليل آليات التصنيف والإدراك التي تُحدّد سلوك الأفراد والجماعات داخل المجتمع الديني.

آلية العقل الديني

    يقوم العقلُ المتديّن، في اشتغاله، على جملةٍ من الافتراضات المسبقة الثابتة حول العالم والذات والمعنى والآخر، فيُعيد إنتاجَ الأحداثِ والمعاني العارضة داخل منظومةٍ رمزيةٍ جامدة، تتأسّس على عناصر متشابكة مثل: النص، والطقس، والسلطة الدينية، والذاكرة الجمعية المرتبطة بهذه المنظومات، وتتمثّل كلّها في قوالب نموذجية طِرازية محدّدة. والمتديّن، في تعامله مع الأفكار والوقائع، لا يُغادر هذه القوالبَ النموذجية المعيارية مثل: الإيمان، والطاعة، والصلاح، والحق، والباطل، والقدوة، والطهر، والخير والشر، بوصفها مفاهيم مغلقة غير متحوّلة. فهو يضمر (نموذجًا طِرازيًا أوّليًا) يَكيلُ عليه كلَّ شيء. هذا النموذجُ الأولُ الثابت، بطبيعة الحال، يُعيد تشكيلَ إدراكه للعالم، فيؤثّر في تصنيفه للآخرين، وفي صُنع قراراته الأخلاقية، وفي سلوكه العام.

      لكن يبقى السؤال هنا: كيف يُبنى هذا النموذجُ الأول الذي يعتمد عليه عقلُ المتديّن كمعيار للحقيقة؟ وكيف يعمل إدراكيًا في الدماغ؟ وكيف يمارس المتديّن هذه النمذجةَ في حياته دون وعيٍ تخطيطي؟

النموذج الطرازي الأول في الذهن:

      جاء في لسان العرب لابن منظور: "الطِراز هو الجيّدُ من كلّ شيء"، وذكر الزبيدي في تاج العروس: "النموذج مثالُ الشيء، أي صورةٌ تُتّخذ ليُعرَف بها حالُ الشيء وأوصافُه"، إذن، فهذا الفهمُ التراثيّ اللغويّ يمنح الطراز معنى الجودة والإتقان، ويجعل النموذج مثالًا يُقاس عليه غيرُه.

غير أن اللسانيات الإدراكية المعاصرة تُضيف بعدًا ثانيًا لتفسير الطرازية والمعيارية الأولى في الدماغ، فالعقل الإنساني في تفسيرها، لا يفهم العالمَ إلا عبر نماذجَ طِرازيةٍ تتشكّل من خلال الخبرة الحسية، ثم تمتدّ لتشمل المعاني المجرّدة. فالإنسانُ بطبيعته يُصنّف الأشياء - إنسانًا- حيوانًا، جمادًا، بناءً على قربها أو بُعدها من نموذجٍ طِرازيّ تأسّس في ذهنه عبر التعرّض المتكرّر للأمثلة الأكثر مركزية. وهذه العمليةُ يمارسها العقل الإنساني لاواعيَ في معظم الأحيان، لكنها في مهمتها تؤدي وظيفةً مركزيةً في تنظيم المعرفة والحدّ من فوضى المعلومات. ومن أجل بناء عالمٍ مفهوميٍّ مُنظّم، يقوم العقل بتشكيل نموذج طِرازي أولي يجعل منه نقطةَ مرجعيةٍ أساسية يقيس عليها المفاهيمَ الجديدة التي يتعرّض لها.

ومثالًا على ذلك: يُمثّل الصقرُ النموذجَ الأولَ والبارز للطير في أذهاننا، فهو يحمل سماتٍ مثل الريش والطيران والتكاثر بالبيوض، ويملك منقارًا وذيلًا. وتبتعد نماذجُ أخرى عن هذا التصنيف مثل البطريق والخفاش، لغيابٍ ظاهرٍ في بعض السمات القريبة من النموذج الأول، كعدم الطيران عند البطريق والتوالدِ عند الخفاش.

      ويميل الذهنُ البشري بطبيعته إلى النظر إلى هذه النماذج العُليا على أنها النماذج الأفضل تمثيلًا في التصنيف والتوضيح، لكونها تشتمل على الخصائص الأكثر شيوعًا أو حضورًا أو أُلفة. وعندما تنتقل هذه العملية التصنيفية الذهنية من ميدان المعرفة الحسية إلى الميدان الثقافي والقيمي المجرّد، يتحوّل النموذجُ الطِرازيّ إلى نموذجٍ معرفيّ مثاليّ جامد، كأنما له دلالةٌ خارجيةٌ ملموسة تفرضه الثقافةُ فرضًا قسريًا في بعض الأحيان، إذ يصبح معيارًا صارمًا للانتماء الجماعي والهوية.

وعلى هذا الأساس الذي يبنيه العقلُ في فهمه للتصنيف والمعيار والنموذج، فإن كلَّ الكيانات التي يتعرّف إليها تُقاس بمدى قربها من النموذج الأول المثالي الذي يعرفه، أو تُمنح قيمةً تراتبيةً وفق درجات التشابه مع النموذج المألوف لديه، فكلما ازدادت الخصائصُ المشتركة مع النموذج الطرازي الأول ازداد الشعورُ بالانتماء والقُرب من تلك الكيانات، والعكس. وهذه العمليةُ الذهنية الأولى في تصنيف العالم المادي كما ذكرنا هي نفسها التي يستخدمها العقلُ في تصنيف العالم غير المادي، مثل: الآراء، المعتقدات، المشاعر، المواقف، والفئات البشرية.

مثال على ذلك:

     قد يضع المؤمنُ نموذجًا معرفيًا مثاليًا عن (الإنسان الصالح). هذا النموذج يتضمّن مجموعةً من الخصائص التي يرى أنها جوهرية وثابتة، مثل: الانصياع للرواية الدينية، والالتزام بأوامر المنظومة، والطاعة والموالاة للقادة الدينيين، والإحساس الدائم بالخطر والتهديد من الخارج على الجماعة التي ينتمي إليها والاستعدادِ للدفاع عن المنظومة، إضافةً إلى الإيمان بالتراتبية المعرفية والعقلية داخل الإطار الديني، كالمرجع والفقيه ووليّ الأمر أو القس والكاهن والحاخام. ووفقًا لذلك، فإن أيَّ فردٍ يبتعد عن إحدى هذه الخصائص يُنظر إليه على أنه خارجٌ عن النموذج المرجعي، ومع تزايد بُعده عن السمات النموذجية تتضاءل درجةُ انتمائه ويخرج إلى تصنيفٍ نموذجيٍّ آخر مختلف، لأن النموذج هنا يعمل كمعيارٍ ثقافيّ لا كنموذجٍ طِرازيّ إدراكيّ فحسب. وهكذا يتّضح أن العقل البشري، في إدراكه للعالم، يستخدم نماذجَ طِرازيةً لتنظيم المعرفة المجرّدة كما يستخدمها في تنظيم المعرفة المادية، ويستعين بنماذجَ مثالية يعالج من خلالها القيمَ والمعتقدات، وأن التصنيف في الحالتين يعتمد على النموذج الأول، والاقترابِ أو الابتعادِ عنه، وربما يكون هذا التصنيفُ غيرَ ثابتٍ ولا مطلقٍ في بعض الأحيان، وإنما يتشكّل داخل شبكةٍ من التجربة، والجسْدَنة، والثقافة، والسياق الزمكاني.

     إذن يبقى التساؤل الجديد: كيف يُسهِم هذا النموذجُ الأوليّ في تشكيل التصوّرات الدينية لدى المتديّن وتوجيهِ عملياتِه الإدراكية عند تصنيف السلوك والأفراد والأفكار؟ وكيف يعمل هذا النموذجُ على إقصاءِ الآخر أو ضمّه من خلال آلية السمات القريبة أو البعيدة؟ وما السماتُ المميِّزة للنموذج الأولي للمؤمن الحقيقي في العقل الديني؟ وكيف يؤثّر هذا النموذج في تصنيف الأشخاص إلى: مؤمن، غير مؤمن، ملتزم، أو مقصّر؟ وما الحدودُ الإدراكية التي تجعل بعض السلوكيات تبدو أقربَ إلى النموذج من غيرها؟ وكيف تتشكّل الأحكامُ الأخلاقية بناءً على درجة القرب من هذا النموذج أو البعد عنه؟ وما أثرُ ذلك في تفسير العالم والأحداث؟

كلُّ هذه الأسئلة قابلةٌ للتحليل عبر اللغة، ولا تهدف إلى تقديم دراسةٍ يهيمن عليها الوعظ أو المحاكمة، بل تهدف إلى تفسير العقلِ المتديّن، وبيانِ كيفيةِ بنائه لعالمه، وكيف يقرأ المعاني، ويفسّر السلوك والرموز، ويُنتج رؤيتَه للعالم في اللغة، والفعل، والهمّة، والمصير.

طبيعة النموذج الطرازي المعياري في عقل المتدين:

     يتّخذ النموذجُ الأول، بوصفه معيارًا تمثيليًا في الفكر الديني، صورتين متلازمتين:     

أولًا: صورةٌ خارجية تتجسّد في الجسد والهيئة.

ثانيًا: صورةٌ داخلية تتجسّد في السلوك، واللغة والفعل والعمل.

أمّا الصورةُ الخارجية فتُبنى على سماتٍ بصريةٍ محددة تُعدّ من مؤشّرات التدين داخل كل منظومة دينية. ففي الإسلام تُعدّ اللحيةُ عند الرجال وارتداءُ الملابس المتواضعة من العلامات الشائعة. وفي اليهودية تظهر تغطيةُ الرأس والشعر لدى النساء بما يُعرف (بالميتپاتشت)، كما يظهر في الإسلام الحجابُ بأشكاله المختلفة، مثل العباءة الزينبية في المذهب الاثني عشري، والملابسِ الفضفاضة والچادر، ثم النقاب في التيار السلفي. وتتفرّع من ذلك طبائعُ خارجية أكثر تشدّدًا: فطائفةُ الحريديم اليهودية تلتزم بملابس تغطي الجسد كاملًا، وفي السياق الشيعي الإمامية ترتدي النساء العباءةَ السوداء التي تغطي الرأس والجسد معًا، ويرتدي رجالُ السيخ العمامة، بينما يُقصّر المسلمُ السلفي ثوبه عن الأرض. أمّا في المسيحية فطائفةُ الآميش تلتزم بلباسٍ يغطي الجسد كاملًا وترتدي النساء غطاءً قصيرًا للرأس. وأمّا الصورةُ الداخلية فتُعدّ أكثر تجريدًا، لكنها أكثر حضورًا في عملية التقييم. 

فلكل طائفةٍ نموذجٌ معياريّ يُعرّف (التدين الصحيح) من الداخل، ففي الإسلام لدى تيارات واسعة. تُجسَّد المرأةُ بحسب هذا النموذج بوصفها مطيعةً للزوج والأب والولي، ملتزمةً بخدمة المنزل، متجنّبةً للاختلاط ورفعِ الصوت ومخالطة الرجال. أمّا الرجل فيُقاس تدينه بحضوره للشعائر والفعاليات الدينية واستمراره فيها وخدمته وتفانيه لها.

وبهذا، تعمل هذه النماذجُ الأولية في التدين كآليات معرفية صارمة تُعيد تشكيل الواقع الاجتماعي والديني وتنظّمه، فهي تحدّد مركزيةَ الفرد داخل طائفته وتُدخله في نظام التصنيف عبر مظهره وسلوكه، فتُنتج إطارًا تصنيفيًا جاهزًا يصدر أحكامًا سريعة لا تحتاج إلى معرفة الشخص أو فحص نيّته. وتقدّم هذه الآلياتُ الصارمة وظيفةً اجتماعية، إذ تبدأ الجماعة بعملية الضمّ لمن يشبه نموذجها، والإقصاءِ لمن يبتعد عنه أو تنقصه سمةٌ من سماته. فيصبح القربُ أو البعدُ من النموذج معيارًا للانتماء لا يقلّ أهميةً عن القرب أو البعد من النصوص الدينية نفسها.

من يصنع هذا النموذج؟ وهل هو ثابت؟

إنَّ النموذجَ الأول يُعدّ جزءًا من الهوية الدينية-الاجتماعية المتحوّلة، فقد يبدأ من خطابٍ أو دعوةٍ أو ممارسةٍ سياسيةٍ أو فنية، ثم يُعاد إنتاجه داخل الذاكرة الجمعية عبر الوعظ، والتعليم، والتمثيلات الثقافية. ومع مرور الوقت يتحوّل إلى بنيةٍ جامدةٍ تقاوم التغيير، حتى لو تغيّرت الظروفُ والمعارفُ والواقع. ومع تراكم الزمن لا يعود هذا النموذجُ يتفاعل مع الواقع الخارجي أو مع النصوص الشرعية الثابتة، بل يعيدُ ترتيبَ دلالاتها لتخدمه هو. ثم يتحوّل إلى مصفاةٍ إدراكيةٍ تحدّد كيفيةَ قراءة النصوص وتفسيرها، فيُدفَع الواضحُ إلى الهامش، ويُستقدَم التأويلُ ليخدم النموذجَ لا النص. وهكذا تصبح قيمةُ النموذج أعلى من قيمة النص نفسه.

من هنا يبدأ العقلُ الجماعيّ في تفعيل آلية التحيّز الإدراكي التأكيدي. فوجودُ مثل هذه الآلية في الدماغ يفسّر رسوخَ النموذج الأولي ومقاومته للتغيير؛ فالمتديّن، حين يصنع في ذهنه نموذجًا أوليًا، يبدأ -لا شعوريًا- بانتقاء الأدلة التي تؤكّد هذا النموذج، ويتجاهل الأدلةَ المنطقية التي تخالفه في السمات. ومع الوقت يصبح هذا النموذجُ في الغالب غير خاضعٍ لاختبار الواقع، بل يعيد تفسيرَ الواقع نفسه ليؤكّد صحته.

وإلى جانب التحيّز التأكيدي، يفعّل الدماغ آليةَ التحميل الدلالي للنصوص، إذ لا يكتفي النموذجُ الأولي بإعادة تفسير الواقع، بل يعيد شحنَ النصوص الشرعية الواضحة بمعانٍ جديدةٍ تخدم النموذج لا النص. ومع تراكم الزمن يفقد هذا النموذج قدرتَه على التفاعل مع الواقع الخارجي، ويتحوّل إلى بنيةٍ جامدةٍ لا تخدم الإنسان ولا الواقع ولا النصوص الشرعية الأصلية.

نماذج من الخطابات الدينية: 

النموذج الأول: خطبة الجمعة للشيخ أحمد الشريف النعسان - المصدر موقع الشيخ الإلكتروني- 

النص: ما زال حديثنا عن واجباتنا نحو بناتنا من حيث التربية، وأنه يجب على المرأة أن يكون بيتها هو مقرها ومكان عملها، وإذا أرادت المرأة أن تكون ناجحة في عملها فعليها بالقرار في بيتها. لذلك ألزم الله تعالى النساء بالقرار في البيوت، قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}.

ويجب على المرأة أن تعلم بأن الفرار يوم القيامة من الأولاد سببه التقصير في الواجب الذي على المرأة نحو أبنائها، قال تعالى: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه * وَأُمِّهِ وَأَبِيه * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه}. فالمرأة التي تكثر الخروج من البيت فإنه يكون على حساب عملها في بيتها، وبذلك تَفْسُد وتُفْسِد. لذلك وجب عليها القرار، وإلا ندمت دنيا وأخرى لا قدر الله تعالى. 

      يواصل الخطاب الحديث عن واجبات المرأة تجاه أسرتها في مجال التربية، مؤكّدًا أن بيت المرأة هو مقرّها الأساسي ومكان عملها، وإذا أرادت المرأة النجاح في حياتها العملية، فعليها الالتزام بالقرار في بيتها. لذلك ألزم الله تعالى النساء بالقرار في البيوت، كما جاء في القرآن: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}

ثم يشير الخطاب إلى أن الفرار يوم القيامة من الأقارب سببه التقصير في الواجبات تجاه الأبناء، فقال الله: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه * وَأُمِّهِ وَأَبِيه * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه}. فالمرأة التي تكثر الخروج من بيتها يُضعف أداء واجبها الأساس تجاه الأسرة، وبذلك تفسد وتُفسد. ومن هنا، يُحمّل النصّ الالتزام بالقرار في البيت كضرورة، وإلا ندمت المرأة في الدنيا والآخرة، لا قدر الله. ويتجلّى النموذج الأوّل في هذا الخطاب بوصفه صورة معيارية للمرأة، يُعرّف من خلال مركز إدراكي ثابت وهو (المرأة القارّة في البيت صالحة). ومن هذا المركز تتفرّع سمات لاحقة تحدد مدى اقتراب المرأة أو ابتعادها عن هذا النموذج مثل: الانضباط المكاني عبر تقليل الخروج وربط كثرة الخروج بالفساد، الطاعة الهيكلية للأب والزوج والولي، والاقتصار على الوظائف المنزلية بوصفها المهمة الأساسية، إضافة إلى ضوابط السلوك الاجتماعي، مثل خفض الصوت، وتجنب الاختلاط، والحد من الظهور في المجال العام.

     ويتم ربط السلوك الدنيوي بالمصير الأخروي، بحيث يُعتبر التقصير في الالتزام بالقرار في البيت سببًا للندم في الدنيا والآخرة. 

     وتُحمَّل النصوص دلالات تعزز هذا النموذج، خصوصًا من خلال قراءة آية {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} قراءةً تعميمية تتجاوز سياقها التاريخي، الذي يخاطب نساء النبي في زمن معلوم ولسبب مقيّد. وبهذا تتكوّن آلية تصنيف نموذجية فالمرأة القريبة من هذا النموذج تُعدّ متدينة على الأصل، والبعيدة عنه تُرصَد بوصفها مخالفة أو ناقصة، ما يحوّل النموذج الأول إلى جهاز أيديولوجي يعيد تفسير الواقع والنصوص معًا لخدمة صورته الذهنية الثابتة، لا لخدمة الحقيقة أو تنوّع التجربة الإنسانية

النموذج الثاني: التلمود اليهودي

     النص: ورد في التلمود اليهودي قول شمُئيل (صوت المرأة عورة)، مستشهداً بكتاب نشيد الأنشاد في العهد القديم، الآية 2:14(صوتك عذب ووجهك فاتن ( 

      يُعدّ صوت المرأة بهذا المعنى مكوّنًا أساسيًا في النموذج الأولي للتدين اليهودي للصلاح، فقد استند الحاخامات في تفسير هذا المبدأ جزئيًا إلى الآية المشار إليها، معتبرين أن صوت المرأة يثير الانتباه الحسي للرجل أثناء الصلاة، ومن ثم يُعدّ عورة في سياق العبادة. لكن عند مراجعة السياق التاريخي للنص الأصلي، نجد أن هذه الآية كانت جزءًا من نص شعري غزلي يصف الجاذبية العاطفية والجسدية بين الرجل والمرأة. غير أن الحاخامات أعادوا توظيفها فقهيًا، لصياغة معيار جماعي للحشمة والتحكم في السلوك الجنسي ضمن السياق الديني. وقد جاء في التلمود البابلي تأكيد هذه القاعدة، محذرًا الرجال من سماع صوت المرأة أثناء العبادة. وبمرور الوقت، تحوّلت هذه القاعدة إلى نموذج إدراكي صارم للحشمة والتدين، حيث أصبح الصوت مؤشراً على قرب المرأة أو بعدها عن النموذج المقبول للتدين اليهودي، مشكلاً بذلك أداة تصنيفية تحكم السلوك وتعيد إنتاج الفهم الديني بطريقة جامدة.

النموذج الثالث: موقع الأنبا تكلاهيمانوت القبطي الأرثوذكسي: مقال الراهب القمص بطرس البراموسي حول سلوكيات الشباب المسيحي: 1فبراير2009. 

     النص: نقطة أخرى أصبحت ظاهرة منتشرة الآن بين شبابنا، وهي بعض قصات الشعر وعمل شعر الرأس بشكل معين أو قصة معينة، ونتباهى ونقول هذه القصة هي قصة الفنان الفلاني أو المغني الفلاني… وننسى كلام مُعلِّمنا بولس الرسول الذي قال لنا: 'لا تُشاكِلوا هذا الدهر' (رو12:2)'


     وعند مراجعة سياق الآية الأصلي، نجد أنها كانت موجهة إلى المؤمنين الأوائل في بيئة رومانية متعددة الثقافات، إذ كان هدف بولس تحفيز المسيحيين على عدم الانصهار في السلوكيات والعادات غير المسيحية، والتمسك بالقيم الأخلاقية والإيمانية. لم تتحدث الآية حرفيًا عن قصات الشعر أو المظاهر الخارجية للشباب، بل ركّزت على رفض الانصهار في السلوكيات الدنيوية التي تتعارض مع قيم الإيمان. ومن هذا المنطلق، يظهر النموذج الأولي المسيحي كإطار إدراكي وجماعي صارم يحدد السمات المعيارية للشباب المسيحي المؤمن، مثل: السمات الخارجية أو المظهر، بما في ذلك قصات الشعر والملابس، والتي تُعدّ مؤشراً على الالتزام الديني أو الانحراف عنه. ويعمل هذا النموذج على إعادة تفسير الواقع اليومي والخطابات الثقافية المعاصرة بما يتوافق مع المعايير الجماعية، ليصبح آلية تصنيف سريع للأفراد: فمن يلتزم بالسمات المركزية يُضمّ إلى الجماعة، ومن يبتعد عنها يُقصى، ما يعكس وظيفة النموذج الإدراكي في ضبط السلوك الاجتماعي والديني ضمن إطار محدد.

النموذج الرابع: مقال (مرتكزات الولاية الإلهية: للسيد محمد تقي المدرسي)

الموقع: مركز الإشعاع الإسلامي 

     النص: وهكذا ينبغي على المؤمنين أن ينتبهوا إلى الأهمية الفائقة لاتباع المرجعية ، والالتفاف حولها ، بالإضافة إلى توقيرها وإجلالها ، وأن يعملوا ويسيروا على خط هذه المرجعية ، ويزيلوا من نفوسهم كل الدواعي والأسباب التي تؤدي إلى ابتعادهم وانحرافهم عن هذا الخط ـ لا سمح الله ـ لضلال يقعون به بسبب المضلين ، أو لحسد ، أو كبر ، أو عجب يقع في نفوسهم ، فيدفعهم إلى الخروج عن طريق الاستقامة الذي أمر به نبينا صلى الله عليه وآله، ونهي ـ في نفس الوقت ـ عن اتباع أهواء المضلين في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ 

     وفي هذه الخطبة المشار إليها، يوضح النص أهمية اتباع المرجعية الدينية والالتفاف حولها وتوقيرها، مع التأكيد على أن أي ابتعاد أو اعتراض على تعليمات المرجع يُعدّ انحرافًا عن الطريق المستقيم، كما يشير النص القرآني:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، حيث تُرسم حدود الاستقامة والضلال من خلال الابتعاد أو الاقتراب من المرجعية، لكن في سياق هذه الآية، كان الهدف الأصلي تحذير المؤمنين من الانجراف وراء المضلين أو اتباع أهواء الخارجين عن الهداية، مع التركيز على مسؤولية الفرد في ضبط نفسه وعدم الانسياق وراء دوافع الحسد أو الكبر أو العجب. 

لكن الآية هنا تتحدد في النموذج الأولي للإدراك الديني للإنسان الصالح، فتصبح هذا الآية إطارًا صارمًا يُحدد السمات المركزية للمتدين الصالح في المذهب الشيعي. فالسمات الداخلية: تشمل الالتزام الفكري بالنصوص وتعليمات المرجعية، وضبط النفس من أي ميل للاعتراض أو النقد أو إعادة التفسير، وتحجيم دوافع الاعتراض بوضعها في خانة الحسد، الكبر، العجب. أما السمات الخارجية فتظهر في الانضباط الاجتماعي والسلوكي، كالتقيد بما يفرضه المرجع في الممارسات اليومية والخطاب العام دون اعتبار لأي مسألة أخرى قد لا تتوافق والحياة والواقع. ونجد كذلك أيضًا أن الوظيفة الإدراكية للنموذج للشيعي الصالح يعمل على تصفية كل قراءة للواقع بمنعزل عن المرجعية، إذ يُعاد تفسير أي ميل للاعتراض أو التفكير النقدي دليلا على الانحراف أو الفساد العقلي والديني، ما يعزز الإقصاء الذهني والاجتماعي لأي مفكر أو محاور للمرجعية. وبهذه الطريقة، يرسّخ النموذج الأولي تصورات جماعية ثابتة حول التدين، حيث يصبح الالتزام بالمرجعية ليس مجرد طاعة ظاهرية، بل ضبط كامل للفكر الداخلي والسلوك، مع مقاومة التغيير حتى أمام المستجدات أو الواقع الجديد.

إذن كيف تؤثر هذه العملية الذهنية للنمذجة الأولى في الحياة الواقعية في المجتمعات المتدينة؟

     تؤثر النمذجة الدينية بشكل مباشر على التسامح، والحكم الأخلاقي، وبناء الهوية، وتعريف الذات والآخر، وعلى القدرة على الالتقاء بالآخر وفهم الاختلاف، وكذلك على قراءة الواقع الخارجي ومحاولة التأقلم معه ومواكبة متطلبات الحياة. 

     غالبًا ما تؤدي النمذجة الدينية إلى إقصاء أي فكرة أو فرد أو جماعة تخالف المعايير التي حدّدها النموذج الأول في ذهن المتدين، حيث تُعتبر هذه المخالفات مصدر تهديد جسدي أو فكري أو وجودي، بدلاً من السعي لفهم الآخر أو الحوار معه. في حالات أخرى، قد تحاول الجماعة استمالة المخالف نحو نموذجها الأول باستخدام أساليب أخلاقية محددة لإعادة دمجه ضمن الإطار الإدراكي والمعياري الذي رسمته، بدل السماح له بالاستقلالية أو التفكير النقدي الحر. علاوة على ذلك، تحدد النمذجة معايير التعلّم والخبرة والمعرفة والفهم، بحيث لا يُقيّم الفرد الأمور بناءً على الواقع أو التجربة المباشرة، بل وفق ما يسمح به النموذج الأولي.

هذه الآلية تخلق حلقة مغلقة للإدراك الجماعي، وتحد من المرونة الفكرية والاجتماعية، ما قد يضعف القدرة على الابتكار والتقدم الاجتماعي، ويجعل أي تغيير أو اقتراح خارج إطار النموذج يُنظر إليه باعتباره تهديدًا للنظام القيمي والجماهيري. بالتالي، يصبح النموذج الأول ليس مجرد أداة للالتزام الديني، بل آلية تحكم الإدراك الجماعي والفردي وتسيطر عليه، وتشكل بنية سلوكية ومعرفية ثابتة، مقاومة للتغيير رغم المستجدات أو الواقع المتجدّد.



المراجع:

جاكندوف، راي. علم الدلالة والعرفانية. ترجمة: بنور عبد الرزاق، مراجعة: مختار كريم. تونس: دار سيناترا، 2010

البو عمراني، محمد الصالح. دراسات نظرية وتطبيقية في علم الدلالة العرفاني. صفاقس: مكتبة علاء الدين، ٢٠٠٩

رجم، سميرة، نظرية الطراز العرفانية وأثرها في دراسة المعنى، مجلة المعيار، العدد 29، الجزء 3، 2025م

صلاح الدين يحيى، ولامية قداش، اللسانيات العرفانية والمحتوى الإجرائي لنظرية دلالة الأطر في المداخل المعجمية، مجلة دراسات معاصرة، المجلد 2، العدد 5، 2021م

الزَّبيدي، محمد مرتضى الحسيني، تاج العروس من جواهر القاموس، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2001م

ابن منظور، أبو الفضل، محمد بن مكرم بن علي، لسان العرب، الحواشي اليازجي وجماعة من اللغويين، بيروت، دار صادر، الطبعة الثالثة، 1414هـ

المدرسي، محمد تقي. مرتكزات الولاية الإلهية. مركز الإشعاع الإسلامي.

التلمود البابلي. برخوت Berakhot 24a. (نصوص حول مفهوم “Kol B’Isha Erva”

القمص بطرس البراموسي. ، مقالة: سلوكيات الشباب المسيحي، موقع الأنبا تكلا هيمانوت (2009)

الشيخ أحمد الشريف العنسان. خطبة الجمعة الموقع الرسمي للشيخ

القرآن الكريم


تفسير رسالة رومية، الأصحاح الثاني عشر: المواهب والفضائ لمن أصَحاح 12‑16: الوصايا العملية في رسالة رومية.


Yeshivat Har Etzion. (n.d.). Kol Isha I: Halakhic Basis. Retrieved December 5, 2025, from https://www.etzion.org.il/en/halakha/studies-halakha/women-and-mitzvot/kol-isha-i-halakhic-basis



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكتاب الذي لم نقرأه كما كُتب: كيف حُرّف (الخالدون المئة) في ترجمته العربية

     كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عن كتاب (الخالدون المئة) لمايكل هارت أثناء دراستي الجامعية، في محاضرةٍ لأستاذٍ كان على الأغلب يذمّ المستشرقين، لا لاستشراقهم وحسب؛ بل للأفكار المخالفة التي انطلقوا منها، ويخصّ بالذمّ من نقل عنهم واتبعهم دون مساءلة. غير أنّي وجدتُ في ذكره لهذا الكتاب تحديدًا تلطّفًا غير معهود، بل مسحةً من حنوٍّ وتمجيد. وقد راعني الأمر؛ فقد ذكر كتابًا لكاتبٍ غربيٍّ فلم يذمّه، بل توقّف عنده برِقّة، وذكر فيه ما رآه جديرًا بالذكر. قال يومها: إن هذا الكتاب قد ترجمه أنيس منصور عن مايكل هارت، وقد اختصّ فيه هارت النبيَّ محمدًا بالمرتبة الأولى، واعتبره أفضل وأعظم من ترك أثرًا في تاريخ العالم. عدتُ آنذاك إلى ترجمة أنيس منصور، فوجدتُ فيها ما أشار إليه أستاذ المحاضرة من نَعْتٍ طيّبٍ وتمجيدٍ واضحٍ لشخصية النبي محمد. توقّفتُ عند هذا النصّ المترجَم، ولم يخطر ببالي أن أفتّش عن النسخة الأصلية للكتاب. وبعد سنواتٍ عدّة، حين أدركتُ عبر التعلّم والمطالعة والقراءة أن المترجم ليس دائمًا أمينًا في نقله، إذ قد تحكمه عقيدةٌ يحملها، أو فكرةٌ يُبشّر بها، أو يقع في السهو، أو يخو...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...