التخطي إلى المحتوى الرئيسي

يمكن للعلاقات الزوجية أن تبقى مترابطة وقوية ودائمة رغم الخيانة والخطر النفسي. نموذج الزوجان كونراد ومايف من مسلسلMob Land


 
قد يبدو للوهلة الأولى أن مسلسل Mob Land البريطاني ينتمي إلى حقل الأعمال الدرامية التي تتناول الجريمة المنظمة، غير أن ما يميّزه فعليًا هو الاستثنائية النفسية في طبيعة العلاقة بين الزوجين كونراد ومايف.
يقدّم العمل في سياقه الدرامي سيرة عائلة بريطانية تعمل في مجال الجريمة المنظمة، تتصارع من أجل السيطرة والنفوذ، ويشكّل هاري سوزا (المنفّذ الذكي لمهامها) ضلعها الثالث والعقل المفكّر الذي يوازن بين فوضوية السلطة والنظام.
وسط هذا البناء، تبرز شخصيتا كونراد ومايف بوصفهما نموذجًا غير تقليدي للعلاقات الزوجية؛ فالرابط بينهما لا يقوم على الحب أو التجربة الإنسانية، بل على التلذذ المتبادل بالهيمنة والسيطرة النفسية. إنّ علاقتهما تقدّم مقياسًا نفسيًا مختلفًا عن مفهوم استمرار الزواج الذي يعد في المجتمع أحد مقايسس نجاح العلاقات، فهذه العلاقة تقدم لنا تفسير  غير تقليدي عن معنى العلاقات التي نعرفها في الأسرة، كالودّ أو الأمان أو التواصل العاطفي والتجربة والواجب.
يفتح لنا العمل بابًا للتساؤل: ما الذي يجعل مثل هذه العلاقات الزوجية تستمر؟ وما البنية النفسية التي تربط بين شخصين وقد غابت عنهما العاطفة وفُقد الأمان النفسي؟، علاقاتٌ يدرك فيها أحدُ الطرفين أنه غيرُ محمي، وأن الاستغناء عنه ممكن في أي لحظة، وأنه غير محبوبٍ ولا مُقدَّر. علاقاتٌ تختبر الخيانة والإهانة النفسية والمخاطرة وانعدام التقدير، ومع ذلك تستمر.

  • مايف الزوجة 


تظهر مايف امرأةً في عقدها السابع، تربطها بزوجها كونراد علاقة تمتد لما يقارب خمسين عامًا.
ما يلفت في شخصيتها هو انعدام العاطفة الأمومية، وسعيها الدائم لتحويل أبنائها إلى أدوات تُسخَّر لتحقيق مصالحها السلطوية والنفسية.
علاقتها بالآخرين علاقة غير آمنة؛ فهي في حالةٍ مستمرة من التهديد الداخلي، إذ ترى في كل من يقترب من زوجها تهديدًا لسلطتها عليه، فتعمل بهدوء وسرّية على إقصائه أو الانقلاب عليه. تعيش مايف في قلق دائم من فقد السيطرة على زوجها والعائلة، ويغيب عنها الإحساس بالتعاطف مع الآخرين.
تميل إلى تفكيك الشخصيات الآمنة والطبيعية من حولها، وتحويلها تدريجيًا إلى شخصيات مشحونة بالخوف والتوجّس، مما يسهم في إنتاج بيئة نفسية بدائية دفاعية، تدفع الأفراد إلى القتل أو النهب بوصفهما وسائل بقاء.
وقد وصفها ابنها الأكبر بدقة حين قال إنها مثل القرش، لا تشعر بوجوده وهو يحوم حولك، حتى تفاجأ وقدميك بين فكيه.

  • كونراد الزوج


أمّا الزوج، كونراد، فتتجسّد شخصيته في هوسٍ بالعظمة والهيمنة، مصحوبٍ بلذّةٍ ونشوةٍ عارمتين في الترهيب النفسي والسيطرة على الآخرين.
علاقاته تتجاوز حدود الخجل والخوف والعار، إذ يجد متعة في العلاقات غير الأخلاقية، كما في علاقته الجسدية مع زوجة ابنه.
يستمتع كونراد بسلوكيات زوجته، مدركًا جميع خطواتها، حتى تلك التي أدّت إلى مقتل ابنه البكر وتدمير اتفاقاته مع العائلات الإجرامية الأخرى.
يدرك كونراد تمامًا طبيعة زوجته بوصفها حالةً تدفعه إلى العيش على حافة الخطر، وتُغذّيه بلذّةٍ نفسيةٍ مستمرة تنبع من المخاطرة والتدمير. يجد في أفعالها إثارةً ودهشةً مرضيّة تُبقيه مشدودًا إليها رغم وعيه الكامل بخطورتها عليه وعلى أولاده والمقربين منه.

طبيعة العلاقة 



في هذه العلاقة، يمثّل الزوج خطرًا نفسيًا دائمًا؛ فهو رجل خائن، بارد، غير مبالٍ، ينجب أبناءً خارج إطار الزواج، ويضع العائلة باستمرار في موقد الخطر والاضطراب، مهدِّدًا الأمن النفسي لزوجته.
في المقابل، تُسبّب الزوجة الأذى النفسي والجسدي لزوجها ولأفراد الأسرة، لتغدو العائلة بأكملها تحت تهديدٍ دائم، والخطر يطرق أبواب مملكتهم الأسرية دون انقطاع.
ورغم ذلك، نجد بين الزوجين ارتباطًا وتعلّقًا مرضيًّا متبادلاً، إذ لا يستطيع أيٌّ منهما الانفكاك عن الآخر أو الاستغناء عنه مطلقًا.
العلاقة بينهما بدائية في جوهرها، تقوم على صراعٍ دائمٍ للتلذذ بالسيطرة على الآخر، وعلى تحفيزٍ مستمر الحيوان الدفاعي الكامن في أعماق كلٍّ منهما.
كلّ طرف يرى في الآخر مرآةً نرجسيةً وسايكوباثية تعكس ذاته ورغباته وقوته، وتُحقّق في الوقت نفسه ساديّته ومازوخيّته.
إنها علاقة تقوم على تكاملٍ مرضيٍّ يُغذّي الطرفين ويدفعهما للبقاء، حيث تتحوّل الحياة الزوجية إلى ساحة صراعٍ شهية تُمارَس فيها القوة كما تُمارَس المتعة في حلبة المصارعة.
هذا النموذج النفسي يقدم صورةً تخالف المفهوم التقليدي للعلاقات طويلة الأمد، التي نفترض عادة أنها تقوم على النجاح والأمان.
إن استمرار هذه العلاقة هو نتيجة مرضية لاعتماد متبادل على الإشباع النرجسي والمرض النفسي، فكل طرف يحقق للآخر توازنه النفسي عبر لعبة السلطة والتحكم النفسي، وتغذية نقص الآخر وتحفيز مخاوفه.
العلاقة لا تحتاج إلى العاطفة أو التجربة الإنسانية الطبيعية لتستمر، بل تعتمد على نظام مغلق من الهوس النفسي والحاجات المرضية، وهو نظام لا يمكن تفكيكه بسهولة.
ربما تقدّم هذه العلاقة قراءةً جديدة تفسّر لنا غرابة استمرارية بعض العلاقات الزوجية طويلة الأمد رغم غياب مقومات الأسرة التقليدية والحاجات الطبيعية بين الزوجين.
فالخيانة والإهمال النفسي والضرر الذي يلحق بالآخر لا يُعد ناقوس خطر على هذه العلاقة، بل يُصبح من أسس بنائها وتقويتها، حيث تتغذّى العلاقة على الألم والخوف والتوتر والقلق بدلًا من التغذية على العاطفة والاحترام والأمان.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي -آليات التلاعب في الخطاب-

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي  -آليات التلاعب في الخطاب- أهمية الخطاب السياسي وسلطة اللغة في تشكيل الإدراك:       في عالم السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من ثروات مالية أو ترسانة عسكرية، بل بما تمتلكه من لغة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك وتوجيهه نحو الآخر. فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم فعليًا في تغييره، إذ تملك سلطة ذهنية هائلة تُمكنها من التحكم في المفردات، وإعادة إنتاج المفاهيم، وتهيئة العقول لتقبّل ما يُراد تمريره من دلالات وأفكار.      فاللغة، شأنها شأن الحدود السياسية، لا تعبر الواقع فحسب، بل تُعيد تقسيمه وفق منظور سلطوي معيّن. "إنها تصنيف مجسّد للأشياء من حولنا، تُعيد خلقها على مستوى الإدراك، وتهيّئ الدماغ لتلقّي المفاهيم ضمن قوالب أنطولوجية محددة. فهي تمنح كل فكرة دالًا ومدلولًا، وتُيسر عبورها إلى الوعي الجمعي، حتى تتحول إلى مفهوم "راسخ" يقاوم الشك والمراجعة.  ولذلك، فإن كل معركة سياسية تُخاض بسلاحين متلازمين: السلاح الفعلي، واللغة. وكما تقتل الرصاصة، قد تقتل الاستعارة كذلك، أو تبرر العدوا...