التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصمة الصوتية في اللهجة البحرانية وجذورها التاريخية وأثرها على المعجم الزراعي في البحرين.


     أكثر ما يواجه الأعجمي الطامح في تعلّم اللغة العربية مسألة تفّرق اللفظ في بطون اللهجات، فقد يجد الدارس صعوبة بالغة في الوقوف على تعريف ثابت للمعنى. وهذه الصعوبة لا يختص بها السالف ذكره لكننا كعرب خلص أو عرب بالهوية نواجه هذه المشاكل في الوقف على معنى واحد في تعريف المصطلحات بسبب مشاكل في اللغة.
 هذه المشكلة ليست على مستوى الوطن العربي أنما هذه التعقيدات موجودة على مستوى البلد الواحد كمملكة البحرين. 
فالبحرين مملكة تزخر بتنوع صوتي ودلالي ومعجمي على الرغم من مساحتها الجغرافية الضيقة، وتحت كل بصمة صوتية تتواجد حاليًا في البحرين نسق تاريخي يمتد إلى لغات الجزيرة العربية. 
لكن هل تعد البصمة الصوتية في اللهجات البحرينية أصلا عن الأم أم هي فرع عنها؟ وهل تعد تطورا صوتيا ودلاليا سلبيا؟ أم تطور هجين توّلد أثر التلاقح الثقافي مع لغات أخرى أم هو انزياح معجمي وصوتي؟ وهل تعد الفصحى هي اللغة المستعملة عند القبائل العربية قبل وبعد التدوين وظهور الإسلام؟ ثم ماذا عن اللهجة التي تحدث بها الأجداد في قرى البحرين هل هي أقرب إلى اللغة الفصحى وهل بينهما جذور متينة وأصالة؟.
      في هذا المقال تركز الدراسة على جزء من البصمات الموجودة في البحرين وهي البصمة الصوتية في (اللهجة البحرانية) لهجة أهل القرى والفلاحين.
ومن خلال الملاحظات والاستماع إلى كبار السن في البحرين ومقارنتها بالشواهد التاريخية المدونة في المصادر والمراجع العربية والشواهد الشعرية القديمة وربطها بحركة هجرة القبائل العربية واستقرارها في البحرين القديمة، نبدأ أولًا في تعريف تلك الظواهر اللهجية بشكل أعم مع التمثيل ثم ننتخب منها ما وجدنا أثره في البحرين مع التمثيل المعجمي والصرفي والنحوي، بعد ذلك ننتقل في البحث عن الحركة الجغرافية العربية وهجرة القبائل العربية كما وجدناها في مصادر ومراجع المتقدمين والمتأخرين، وانتخبنا من اللهجة البحرانية تدوين مصطلحات مهنة الفلاحة لاضمحلالها وغياب شبه تام للفلاح البحريني بعد الانصراف عن هذه المهنة إلى المهن الحديثة.


 جاء في كتاب فصول في فقه العربية للدكتور رمضان عبد التواب في الفصل الثالث بعنوان ألقاب اللهجات العربية. إن اللغة الفصحى ليست لغة قبيلة بعينها وإنما هي اختيار وانتخاب من اللهجات العربية. فاحتكاك العرب ببعضهم البعض في مواسم الحج والتجارة والأسواق الأدبية أدى إلى ظهور كيان لغوي عرف باسم اللغة الفصحى، وتعد اللغة الفصحى لغة مشتركة بين أدباء هذه القبائل كلها واستعملت هذه اللغة الراقية والمنتخبة في أغراض الخطابة والشعر والنثر، وهي لسان عام تفهمه كل الألسن العربية. ويرى رمضان أن الفصحى فوق مستوى العامة، ولا يقال عنها سليقة، ومعنى السليقة أن تتكلم لغة من اللغات بغير شعور بما لها من خصائص، وباستحالة أن تخطئ فيها دون أن تدرك خطأك وتتداركه على الفور. ولا يحق أن يقال مثلا إن المشتركة الفصحى هي لغة قريش أو تميم أو غيرها من قبائل العرب (...) بل هي مزيج من كل هذا، ومن ذلك أن المشتركة الفصحى تحقق الهمز، بينما لهجة قريش نفسها تسهل الهمز، من ذلك قولهم مومنين ومومن وبير، بينما في القرآن حققت الهمز وجاء الهمز في قوله: مؤمنين الخ. أما القبائل العربية فقد عرفت كل واحدة بلسانها الخاص التي تحدثت به وتميزت به بين العرب وعرفت هذه الظواهر قديما باللغات واللحن قبل شيوع مصطلح اللهجات، فيقولون هذا لسان تميم وهذا لحن ربيعة وطي وقيس وغيرهم من القبائل.


 من أشهر هذه الظواهر الصوتية: الاستنطاء وهي "جعل العين الساكنة نونا إذا جاورت الطاء" وهي لغة هذيل والأزد وقيس والأنصار وسعد بن بكر، ويقولون في أعطى (أنطى)، وما روته أم سلمى عن رسول الله أنه قرأ {إنا أنطيناك الكوثر} وقرأ ابن مسعود والأعمش {وأنطاهم تقواهم} وقال الأعشى: جيادك في القيظ في نعمة تصان الجلال وتنطى الشعيرا. التضجّع وهي الإمالة في نطق الألف. التّلتلة كسر الفعل المضارع في أوله في قضاعة وسهم كقولهم: تِعلمون وتِكتبون وتِنجحون. الشّنشنة جعل الكاف شينا مطلقا وهي لغة في اليمن، لبيش اللهم لبيش بدل من لبيك. الطمطمانية يبدلون لام التعريف ميمًا وهي لحمير فيقولون: امبارحة بدل من البارحة. العجعجة لقضاعة تميمج، ويقصدون بها تميمي. العنعنة جعل الهمزة المبدوء بها حرف العين عند قيس وتميم، إنك عنك وفي أسلم عسلم وفي إذن عذن. الفحفحة قلب الحاء عينا لقبيلة هذيل وقد قرأ ابن مسعود (عتى حين) يريد بها (حتى حين). الكسكسة أبدال كاف المخاطبة سينا أو زيادة سين على كاف المخاطبة لقبائل ربيعة ومضر وتميم. الكشكشة هي إبدال الشين إلى كاف عند مخاطبة المؤنث، لأسد، وبكر، وربيعة، ومضر. اللخلخانية القطع في الكلام كقولهم: ما شا اللهو يريدون بها ما شاء الله. الوكم كسر الكاف من ضمير المخاطبين المتصل إذا سبق بكسرة أو ياء، وهذه لغة ربيعة وكلب وبكر بن وائل، ومنها قولهم بِكِمْ وعليْكِم ويريدون بها بكُم وعليكُم. الوهم كسر الهاء في ضمير الغائبين المتصل، وهي لغة لبنو كلب كقولهم: منهِم وعنهِم وبينهِم يريدون بها منهُم وعنهم بضم الهاء.


 ومن أهم الظواهر الصوتية التي وجدنا آثارها في البحرين(التضجّع) في قرية عالي المعلومة بوجود الكثير من من الشواهد والآثار التاريخية الدالة على وجود حضارة عريقة كانت قائمة فيها، ثم (التلتلة) التي تغلب على لسان القرويين ومنهم قرية بوري المعروفة بالخصوبة والعيون، ويغلب على أهل القرى الأخرى وجود الظاهرتين الوكم والوهم، و(اللخلخانية) إما (الكشكشة) فقد تميز بها اللسان الريفي البحراني حتى مع التطور والانفتاح وموت الظواهر الصوتية ومحاولة الجيل الجديد الارتقاء باللغة، نجد أهل القرى ما يزالوا في لهجتهم الخالصة يستخدمون الكشكشة في خطابهم مع المؤنث، وعند العودة إلى المصادر والمراجع نجد الكثير من الشواهد التي أرخّت لهذه اللهجة ومنها كتاب سيبوية وكتاب الصاحبي لابن فارس المتوفي سنة ٣٥٩هـ. ومن هذه الظواهر. نطق القاف المعجمية كافا أو القاف المعقودة فيقولون: كومي بدل من قومي، وبرتكال بدل عن برتقال وكسم بدل من قسم وكاسم بدل عن قاسم وهكذا. وجاء في كتاب الصاحبي لابن فارس، فأما بنو تميم فإنهم يُلحقون القاف باللَّهاة حَتَّى تَغْلظ جداً فيكون بَيْنَ الكاف والقاف وقال شاعرًا منهم:

 ولا أكُولُ لِكدرِ الكَوم قَدْ نضجت ... ولا أكولُ لبابِ الدَّار مَكْفولُ 

وجاء في كتاب ابن عقيل، المساعد على تسهيل الفوائد "وجعلوا موضع القاف الكاف، فقالوا كح وكحة والقاف أصل، وقال ابن خلدون في كتابه، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر: "وعندهم أنّه إنّما يتميّز العربيّ الصّريح من الدّخيل في العروبيّة والحضريّ بالنّطق بهذه القاف. ويظهر بذلك أنّها لغة مضر بعينها(...) وهذه اللّغة لم يبتدعها هذا الجيل، بل هي متوارثة فيهم متعاقبة ويظهر من ذلك أنّها لغة مضر الأوّلين ولعلّها لغة النّبيّ، "هذه القاف الّتي ينطق بها أهل الجيل العربيّ البدويّ هو من مخرج القاف عند أوّلهم من أهل اللّغة (...). وأما ظاهرة قلب الثاء فاء قلب الثاء فاء، فيقولون: فوم بدل من ثوم وفياب بدل عن ثياب وفلافة بدل من ثلاثة وهكذا. وجاء في كتاب التفسير البسيط للنيسابوري. وقد قرأ عبد الله {وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا} وثومها بالثاء. وجاء في كتاب ابن عقيل المساعد على تسهيل الفوائد، حكى يعقوب أنهم يقولون في العطف قام زيدٌ فم قام عمرو (...) وقالوا فوم في ثوم (...). ونجد ظاهرة اللخلخانية في اللهجة البحرانية، فيقولون للماء ما بحذف الهمزة. ونرى أثر هذه الظاهرة اللغوية في كتاب أبي علي الفارسي الحجة للقراء السبعة، يقول فيه: وحذف الهمزة من ماء في قوله: اسقني شربة ما يا هذا، وحذفها لمّا قلبها ألفا لالتقاء الساكنين، من التنوين الألف فيصير ما.

 أما عن أسباب انتقال بعض من هذه الظواهر الصوتية للقبائل العربية في البحرين، فالعلة في هجرة القبائل وتمركزها ما قبل الإسلام في البحرين، ومنها بنو أسد العدنانية من بني أسد بن عبد العزى ومنه جاء جديلة ومن جديلة عبد القيس وبكر بن وائل، " فمن فهر تشعبت قبائل قريش. فالمشهور منهم سبعة عشر بطنا، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب وبنو نوفل وبنو عبد شمس، وبنو عبد مناف بن قصي بن كلاب وبنو عبد الدار، وبنو أسد بن عبد العزي." وجاء في كتاب جمل من أنساب الأشراف للبلاذري أن قبيلة عبد القيس، ومعهم بنو شن بن أفصى بن دعمى بْن جديلة من بني أسد بن ربيعة، خرجوا يطلبون المسعى حتى بلغوا أرض البحرين فلما وصلوا إلى البحرين زاحموا قبائل بكر بن وائل وتميم، وقاسموهم الوطن. 

وأما في كتابه فتوح البلدان فقال: وكانت أرض البحرين من مملكة الفرس، وكان بها خلق كثير منَ العرب من عَبْد القيس، وبكر بْن وائل وتميم مقيمين في باديتها وكان على العرب بها من قبل الفرس، وفي كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للادريسي وسميت البحرين بجزيرة أوال وذلك أن جزيرة أوال بينها وبين بر فارس مجرى ومنها إلى بر العرب مجرى، ووصف الهمداني البحرين في كتابه صفة جزيرة العرب: إن البحرين سوق بني محارب من عبد القيس تسكنها قبائل جذيمة ومنازلها ما دار بها من قرى، ووصفها بأنها كثيرة النخل جزيرة في وسط البحر وفيها جميع الحيوان إلا السباع. 

وما يؤكد وجود هذه القبائل العربية في البحرين تحديداً الآثار الدالة على النسق الديني لقبائل ومنها كما هو معروف أن أول كان صنما لبني وائل كما جاء في كتاب معجم البدان للحموي، وقد أورد خليل العطية في ديوان عمرو بن قميئة أنه قال:

 إِنَّ قَلبي عَن تُكتَمٍ غَيرُ سالِ ...
 تَيَّمَتني وَما أَرادَت وِصالي هَل تَرى عيرَها تُجيزُ سِراعاً ...
 كَالعَدَولِيِّ رائِحاً مِن أُوالِ

 وعند العودة للمراجع والمصادر التي تدلنا على هذا الشاعر الجاهل نجد في كتاب الأنباري الزاهر في معاني كلمات الناس هذه الأخبار عن قميئة. "قال عمرو بن قميئة إن امرؤ القيس مر ببكر بن وائل فقال أما فيكم شاعر إلى آخره(...)".

 وأوال تعني إيل بمعنى الرب بالعبرانية، أو اسم من أسماء الله في السريانية فقالوا جبرائيل وإسرافيل ومعنى جبرائيل عبد الله عندهم. وأما الشاهد الملموس على تواجد بطون أسد في أوال اسم مدينة المحرق في البحرين، وقد جاء في كتاب أنساب العرب لابن حزم الأندلسي محرق هذا كان صنما لبكر بن وائل وسائر ربيعة. وجاء في كتب العرب وصف كثير للبحرين ومنها وصف الادرسي بأنها عامرة خصيبة وفيها عيون ماء كثيرة ومياهها عذبة وقال عنها الدمشقي مأكولهم التمر والسمك وهي أوسط مغاص اللؤلؤ بين وبر العرب وفارس مستدار حولها وأورد الحموي أيضا أوال جزيرة يحيط بها البحر فيها نخل كثير وليمون وبساتين.


 وأما ما تركته هذه اللهجة على لسان كبار السن وأغلبها مرادفات قد بادت أو لم تعد تستخدم وأهملت مع موت ظاهرة الفلاح البحراني، فقد رغبنا في توثيقها، وقد وجدنا لها جدر أو أصلا في معاجم اللغة العربية.
 وكانت المزرعة تسمى عندهم دولاب ودالية والدوالي: واحدتها دالية: وهي الدولاب تديره البقر، والناعورة يديرها الماء.

 ويقال لمن استأجر أرضا يتضّمن الأرض، وعند العرب التضّمن التكفل بالشيء والالتزام به.
 ويسمى المحصول الذي يباع في السوق الردَّة، وعند العرب الردّة امتلاء الضَرْع من اللبن قبل النتاج.
 وعملية تجريد خوص النخل وتحويله إلى خيوط دقيقة جدًا تربط بها حزم الخضروات الورقية، تكشيم وكشم، وجاء في معاجم العرب كشم الشيءَ كَشْماً فتتّه بأصابعي ولا يكون إلا من الشيء اليابس كشم يَدُلُّ عَلَى قَطْعِ شَيْءٍ أَوْ قِصَرِهِ. 
وعن العناية بعناقيد الرطب تحدير العدك، وعند قطفه خراف ويخرف ولمن جناه خرّاف، والمَخرَف في معاجمهم جَني النّخل، ويقال الخَرُوفة للنَّخْلَة التي يُخْرف ثَمرها. 
وتسمى السلة يوضع فيها التمر أو الرطب أصل العرق السفيفة المنسوجة من الخوص قبل أن يجعل منها زبيل، فسمي الزبيل عرقًا لذلك. 
ويقال ساب للمكان أو الجدول الذي يجري فيه الماء لسقي الزرع وجاءت في لسان العروس، الساب بمعنى السقاء والسأب من الشرب روالسيّب الماء يسيب ويجري.
 ويقال عن آلة قطع النبات الورقي محش والمِحَشُّ بالكسر: في المعجم ما يُقْطَعُ به الحَشيشُ. 
وأما الآلة الحادة لقطع الأشجار والنخل فعندهم اسمها منجل، والمنجل في المعاجم مَا يُحْصَد بِهِ.
 وعند ترقيق التربة لتهيئتها للزرع يقال للفعل يحرش التربة والحَرَشُ مَا غَلُظَ مِنَ الأَرْضِ وَنَحْوِهَا.
 وتسمى الأقمشة التي تسد جدوال الماء عن التدفق سچرة وجاء في تعريفها والسَّاجِر السَّيْلُ الَّذِي يَملأُ كُلَّ شَيْءٍ المُسَجَّر الَّذِي غَاضَ ماؤُه. 
وعندهم آلة تسلق النحل چّر، والكَرُّ: قَيْدٌ مِنْ لِيفٍ أَو خُوصٍ. والكَرّ، بِالْفَتْحِ: الْحَبْلُ الَّذِي يُصْعَدُ بِهِ عَلَى النَّخْلِ، وَجَمْعُهُ كُرورٌ.
 ويقال سمادة للنار الكبيرة وهي حريق يتم التخلص فيه من المخلفات العضوية في البستان. وحين تهدأ تسمى كناعة وهي من كَنَعَ عَن الأَمْر كنوعا، إِذا أَحْجَمَ عَنْهُ. وعندما تنتهي تقريباً يقال عنها طبانة والطابون الْموضع الَّذِي تدفن فِيهِ النَّار.
 ويسمى ما يفصل بين أحواض النبات كاريه والأحواض المزروعة شرب وشروب. 

في الختام نجد أن هذه الظواهر مؤكدة على وجود بصمة أصيلة في اللهجة لم تستطع ظواهر المثاقفة على مر تاريخ البحرين طمسها أو تبديلها وهذه الشواهد من شواهد عديدة جاءت في مؤلفات العرب تثبت أن الظواهر الصوتية قد انتقلت مع القبائل العربية المهاجرة من قريش إلى أوال، فحملت قبيلتي قيس وبكر من بطون ربيعة ظواهر أسلافهم اللهجية معها إلى البحرين، فنلاحظ وجود الكشكشة والوكم ثم التضجع الذي اشتركت فيه القبائل المتجاورة، تميم وقيس وبكر. ونلاحظ ظاهرة القاف المعقودة البدوية وظاهرة قلب الثاء فاء، مما يؤكد على وجود بصمة وراثية في اللهجة لم تستطع ظواهر المثاقفة على مر تاريخ البحرين محوها أو تبديلها. وكل هذه الأدلة تفند ما جاء به سعد مبخوت في كتابه أصول لهجة البحرين حين قال: "إن اللهجة الجعفرية فهي عراقية الأصول بصرية النبرات" فقد غاب عنه ثلاثة أمور، أولها أننا لا نجد ظواهر في البحرين كظاهرة الاستنطاء التي تركت بصمتها في العراق، ولا نجد الرتة أو الفراتية بين مناطق البحرين، ثانياً نجد في تتبع حركة هجرة قبيلة بني أسد تفرقهم في الأمصار، فنجد أغلب المناطق التي نزلوا بها كانت في العراق بعد الإسلام وهذا يدل على تفرق الظواهر التي تشترك فيها بطون أسد بين مناطق الجزيرة العربية وما حولها ولا يعني أن هذه الظواهر قد ولدت في العراق فقد تكون انتقلت في رحلتها عبر التاريخ من شبه الجزيرة إلى العراق، ثالثا: لا نجد في العراق ظواهر لهجيه وبصمة صوتية كالتي في البحرين وتختلف اللهجة البحرانية عن اللهجات العراقية في الإمالة أو تفخيم وترقيق بعض الحروف، والإعلال والأبدال في بعض المفردات. وقد توصلنا في رحلة بحثنا هذا إلى وجود تقارب معجمي عريق بين اللهجة البحرانية القديمة والعربية الفصحى واللهجات العربية من خلال البحث في أصول تلك المفردات والظواهر في بطون الكتب.

 زهراء منصور

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي -آليات التلاعب في الخطاب-

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي  -آليات التلاعب في الخطاب- أهمية الخطاب السياسي وسلطة اللغة في تشكيل الإدراك:       في عالم السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من ثروات مالية أو ترسانة عسكرية، بل بما تمتلكه من لغة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك وتوجيهه نحو الآخر. فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم فعليًا في تغييره، إذ تملك سلطة ذهنية هائلة تُمكنها من التحكم في المفردات، وإعادة إنتاج المفاهيم، وتهيئة العقول لتقبّل ما يُراد تمريره من دلالات وأفكار.      فاللغة، شأنها شأن الحدود السياسية، لا تعبر الواقع فحسب، بل تُعيد تقسيمه وفق منظور سلطوي معيّن. "إنها تصنيف مجسّد للأشياء من حولنا، تُعيد خلقها على مستوى الإدراك، وتهيّئ الدماغ لتلقّي المفاهيم ضمن قوالب أنطولوجية محددة. فهي تمنح كل فكرة دالًا ومدلولًا، وتُيسر عبورها إلى الوعي الجمعي، حتى تتحول إلى مفهوم "راسخ" يقاوم الشك والمراجعة.  ولذلك، فإن كل معركة سياسية تُخاض بسلاحين متلازمين: السلاح الفعلي، واللغة. وكما تقتل الرصاصة، قد تقتل الاستعارة كذلك، أو تبرر العدوا...