ربما أغلب الناس لا تعرف معنى قول أرسطو: إن الإنسان يتمتع بمشاهدة المسرحية أو تمثيل الحياة، إذ إنه بعمله هذا يمكن لمشاعر الشفقة والخوف أن تستثار بعنف، ثم تزال بالتطهير، وذلك بإحساس الانفراج المتولد عن أن الكوارث التي عانتها الشخصيات على خشبة المسرح الذي لم يصبه شيء منها.
وتعد نظرية التطهير في المسرح من أهم النظريات النقدية الأدبية والفكرية القديمة، إذ تعمد الأفكار المطروحة في المسرحية كما قال: على تعميد عقل المتلقي ودفعه للتفكير في تهذيب نفسه والتفكر الجاد حول النفس والوجود من خلال المحاكاة التي شاهدها.
وقد لا تعرف الناس كذلك تاريخ المسرح الذي ارتبطت بداياته الدينية بالعبادة والقرابين في تاريخ الرومان، فالتراجيديا تمثل التجهم والغضب والتعبير عن المأساة، والضحك يمثل نقد الوجود بأكمله.
لكن الجميع يعرف تاريخ المسرح العربي وأهميته في بناء النسيج الثقافة الاجتماعي، وكيفية ارتباط المسرح بالنهضة التعليمية والعلمية والتطور والانفتاح في العالم العربي.
لكن هذا الارتباط بدأ في التفكك حتى صار المسرح لا يُعنى بالنسيج الاجتماعي كما كان بكل أطيافه ومستوياته وقضاياه التي تسير جنبا إلى جنب مع الحياة، بل انقسم إلى قسمين في كل قسم خصوصيته التي ستقتله في نهاية المطاف.
فالقسم الأول، المسرح الذي لا يبكي على مشاهده، ويفهم رمزيته المعقدة إلا النخبة المثقفة غير مكترثة بعقلية الآخرين الذين يشاطرونها القضايا التي تطرح على خشبة المسرح.
فتحولت ستارة المسرح الحديث مع النخبوية إلى ستارة مخملية، لا يستطيع المتلقي من غير جنسهم أن يفهم ما يدور حوله عندما تنفرج، فينفر من المسرح النخبوي كما ينفر النخبوي من مسرح المهرجين، وهذا هو القسم الثاني، إذ تحول هذا الآخر إلى صورة مغايرة عن مسرح الكوميديا الذي عرفها أرسطو على أنها: محاكاة لأناس أرذال أقل منزلة من المستوى العام، وهذه الرذيلة الصادرة عن هؤلاء ذات طبيعة خاصة، فهي تبعث على الضحك بسبب النقص والخطأ الذي يعتريها.
إذ إن المسرح بأكمله تحول للرذالة والاستخفاف من أجل الهدف الذي جميعنا نعرفه، فتحول إلى سرك في القرن السادس عشر؛ إذ تم التعامل مع التشوهات الخلقية على أنها مصدر للترفيه وجذب للجمهور. فيؤتى بأصحاب الهمم والذين يعانون من مشاكل في العقل والنساء الآتي خالفن معايير الجمال، للتسفيه بهم وإشباع رغبة الجمهور التي قمعها غشاء التحضر وعصا الدين وبندقية القانون، وقد منح هذا المسرح ترخيصا لإباحة كل ما يستطيع الإنسان فعله من شر يبطنه من خلال التقليل من الآخر وتحجيمه والتنمر عليه.
حتى صار حظ المسرح كحظ القراءة في مجتمعاتنا الحالية. رغم أهميته في تغذية العقل وحاجتنا إليه لتطوير البيئات وتقدمها وتحضرها وتطهيرها كما قال أرسطو، منقسما إلى قسمين. قسم يُعنى بغموض منفر، وقسم يُعنى بإسفاف منفر.

تعليقات
إرسال تعليق