في كتابه خزائن السرد يقول سعيد الغانمي: "النخبة
الثقافية هي التي تختار النصوص التي تدخل في المعتمد الديني أو الأدبي لكن هذه
النصوص سرعان ما تتحول إلى عنصر مكون في عناصر هوية النخبة الثقافية نفسها (...)
ثم تثبيتها، ثم نقلها، ثم اتخاذها معيارا لتوليد النصوص اللاحقة."
ويقصد بالمعتمد النصوص التي تتحول في الذاكرة الثقافية ثم الجماعية ثم
العلمية إلى مسلمات على أنها المعيار الصحيح والسليم للذوق الأدبي والسلامة
اللغوية والنموذج الراقي للأدب.
وحتى على الصعيد العلمي والثقافي لا
يخلو الأمر من وجود المسلمات بالموروث الفكري واللغوي السابق فينتج عن
هذا الأمر ما نسميه بالجهل النخبوي أو الجهل الخاص.
ومعيارا على هذا الأمر قصائد أبي نواس في الخمريات إذ إن المعتمد
التفسيري لهذه القصائد المتنوعة والغنية في الذاكرة الثقافية هو وصف الخمرة لا غير ولا
شيء أبعد من هذا. وهذا الموروث الثقافي في فهم النتاج الشعري لأبي نواس أبعدنا عن
الكثير من الفلسفة الموجودة في قصائده وحال بيننا وبين منهجه الفكري وهذه الإحالة
التفسيرية المعتمدة والمتوارثة باعدت بيننا وبين فهم المعنى الحقيقي للنصوص.
وإننا نزعم أن النص الذي
في متناول أيدينا ليس قاعدة لفهم المعنى، بل هو نتيجة نهائية لا يجب أن ننطلق
منها لفهم النص، أنما علينا العودة للمؤثرات التي أسهمت في نشأة وبناء هذا النص
لفهمه.
لهذا علينا تطبيق نظرية العامل أو المؤثر في النص حتى نتوصل إلى فهم
المعنى الحقيقي لهذه القصيدة أو هذا النثر.
أما النصوص التي بين أيدينا فقد مرت بأطوار النشأة الستة ولا يمكننا
أن ندعي معرفتها إلا من خلال معرفة الأطوار التي عمدت على خلقها.
وهذه الأطوار الستة تتمثل
في عوامل ومؤثرات خارجية وداخلية غالبَا لا خيار للشاعر أو الأديب فيها.
الأثر الأول العامل في النص (النشأة): وهي ظروف نشأة
الشاعر، العراقيل والعقد التي شكلت شخصيته. وهذا هو العنصر الأول في تشكيل شخصية
الأديب أو الشاعر.
الأثر الثاني العامل في النص (العوامل
خارجية): البيئة، الحياة الاجتماعية والدينية والثقافية، الصراعات السياسية
والعقائدية وحركة المثاقفة.
الأثر الثالث العامل في النص (العوامل
الحسية): الوعي الداخلي بالمؤثرات الخارجية التي تخلق داخل الأديب أو الشاعر
قلق المعرفة والسعي في بناء منظومة خاصة فيه لفهم وتفسير الواقع حوله.
الأثر الرابع العامل في النص (عوامل عقلية): عملية تشكل وعي
الشاعر والأديب، واستعماله المنطق لتنظيم ردة فعله تجاه العوامل السابقة.
الأثر الخامس العامل في النص (عوامل فطرية) حاجة الشاعر
والأديب للتعبير وتمثيل مشاعره وأفكاره، من خلال اللغة.
الأثر الخامس العامل في النص (عملية الإنتاج) عملية بناء النص من المواد الأولية وهي العوامل السابقة التي شيدت النص وعمدت إلى خلقه، وهي مرحلة تخضع لذات الشاعر والأديب الواعية فيعمد إلى غربلة الكثير من الحقائق الواضحة في نصوصه واستبدالها برمزيات مراوغة لتوصيل المعاني من خلال اللغة.
الأثر السادس العامل في النص (النص المكتوب) اللغة والمعنى الحرفي التي يتلقاه القارئ.
ونموذجا تفسيريا
على هذه النظرية اخترنا قصيدة أبي نواس للتطبيق عليها:
دَعْ عَـــنْــكَ لَــوْمِــي فَــإِنَّ اللَّــوْمَ إِغْــرَاءُ
وَدَاوِنِــي بِــالَّــتِــي كَــانَــتْ هِــيَ الــدَّاءُ
صَــفْــرَاءُ لَا تَــنْــزِلُ الْأَحْــزَانُ سَـاحَـتَـهَـا
لَـــوْ مَـــسَّــهَــا حَــجَــرٌ مَــسَّــتْــهُ سَــرَّاءُ
مِـــنْ كَـــفِّ ذَاتِ حِــرٍ فِــي زِيِّ ذِي ذَكَــرٍ
لَــــهَــــا مُــــحِـــبَّـــانِ لُـــوطِـــيٌّ وَزَنَّـــاءُ
قَــامَــتْ بِــإِبْــرِيــقِــهَـا وَاللَّـيْـلُ مُـعْـتَـكِـرٌ
فَــلَاحَ مِــنْ وَجْــهِــهَـا فِـي الْـبَـيْـتِ لَأْلَاءُ
فَــأَرْسَــلَــتْ مِــنْ فَـمِ الْإِبْـرِيـقِ صَـافِـيَـةً
كَـــأَنَّـــمَــا أَخْــذُهَــا بِــالْــعَــيْــنِ إِغْــفَــاءُ
رَقَّــتْ عَــنِ الْــمَــاءِ حَـتَّـى مَـا يُـلَائِـمُـهَـا
لَــطَــافَــةً وَجَــفَــا عَــنْ شَــكْـلِـهَـا الْـمَـاءُ
فَــلَــوْ مَــزَجْــتَ بِــهَــا نُــورًا لَــمَــازَجَـهَـا
حَـــــتَّــــى تَــــوَلَّــــدَ أَنْــــوَارٌ وَأَضْــــوَاءُ
دَارَتْ عَــلَــى فِــتْــيَـةٍ دَانَ الـزَّمَـانُ لَـهُـمْ
فَـــمَـــا يُـــصِــيــبُــهُــمُ إِلَّا بِــمَــا شَــاءُوا
لِــتِــلْــكَ أَبْــكِــي وَلَا أَبْــكِــي لِــمَــنْــزِلَـةٍ
كَـــانَــتْ تَــحُــلُّ بِــهَــا هِــنْــدٌ وَأَسْــمَــاءُ
حَــاشَــا لِــدُرَّةَ أَنْ تُــبْــنَـى الْـخِـيَـامُ لَـهَـا
وَأَنْ تَـــرُوحَ عَــلَــيْــهَــا الْإِبْــلُ وَالــشَّــاءُ
فَـقُـلْ لِـمَـنْ يَـدَّعِـي فِـي الْـعِـلْـمِ فَـلْـسَفَةً
حَـفِـظْـتَ شَـيْـئًـا وَغَـابَـتْ عَـنْـكَ أَشْـيَـاءُ
لَا تَـحْـظُـرِ الْـعَـفْـوَ إِنْ كُـنْـتَ امْـرَأً حَـرِجًا
فَـــإِنَّ حَـــظْـــرَكَـــهُ فِـــي الــدِّيــنِ إِزْرَاءُ
ينتج عن القراءة المسحية للنصوص فهم وهمي للنص، فعندما تقترن القراءة المسحية
بالموروث الثقافي يتضاعف ذلك الفهم الوهمي عند المتلقي. فالقارئ لا يعبئ ألا
باللغة المكتوبة وما يرافقها من معنى في معاجم اللغة وإرثه اللغوية، فيبقى العبء
الأكبر في فهم النص على المتخصص والناقد والذي بدوره صار اصطلاحيا في المرتبة
الأولى يرث فهمه للنصوص المعتمدة من منظومته الثقافية كذلك.
وعلى سبيل المثال عند مراجعة الشروح على القصيدة المذكورة نجد المعنى
ينحصر في وصف الخمرة والتغزل فيها ولا يخرج من هذا النطاق، وهذه الشروح نقول عنها
وقفت على فم البئر فظنت أنها قد عرفت غياهبه. لذا عمدنا على تطبيق نظرية العامل
والمؤثر في النص على هذه القصيدة للوصول إلى المعنى الحقيقي.
البداية:
لم تكن نشأة الشاعر يسيرة كما جاء في الأخبار، فقد ولد داخل بؤرة الفقر
ونال حظه من التفكك الأسري في أشقى العصور عرقية ضد ما هو غير عربي فترعرع على
الفجاجة العرقية واستحقار الأعراق في طفولته، ولد لأم عجمية في الأهواز، وما لبث
أن مات أبوه بعد ولادته بستة أعوام فترحل مع أمه بين الأهواز والبصرة. وعمدت أمه
بعد موت أبيه إلى إرساله للصناع من أجل لقمة العيش، لكنها سرعان ما تعلقت برجل
عشقته فتركت ولدها للصناع والمعلمين والحاضرة الغاوية تبتلعه وحيدا ورحلت عنه.
فعاش وحيدا يتيما تحت رعاية العطار الذي يعمل عنده. فكان هذا الأثر الأول والعامل
الأول في تشكل شخصية الشاعر.
تطبيق العامل والمؤثر:
الأثر الأول العامل في النص (النشأة) نتيجتها:
شخصية متمردة، في سعي دائم لإثبات النفس وتحقيق الذات، من خلال كسر القواعد وإثارة
الجدل للفت النظر حولها.
وسرعان ما شب هذا الصبي الصغير المشاكس غير المسؤول المحب للتمرد وسط أعاصير
من التيارات الدينية والأدبية والاجتماعية التي أسهمت في تبرعم شخصيته الأدبية
والفكرية، فمال بطبيعة الحال إلى الشعبوية ودافع عن نفسه ضد العنصرية العرقية فاستصغر
العرب وتجاوز آدابهم وعمد لسحق أنوفهم وأباح كل ما يقبحونه ويرفضونه وينافحون عنه،
فجدد في القصيدة العربية متخليا عن البنية التقليدية الجاهلية التي كانت أشبه
بالمقدس الأدبي عند العرب. أما على الصعيد الفكري والديني فقد ترعرع وسط أشد
التيارات نزاعا، فتأثر أولًا بالمعتزلة ودرس على يد إبراهيم النظام، والمعتزلة كانت فرقة إسلامية دعت إلى
النزعة العقلية فاعتمدت
على العقل في تأسيس عقائدها وقدمته على النقل، وقالت بالفكر قبل السمع، ورفضت
النقل والأحاديث المتواترة وقالت بوجوب معرفة الله بالعقل، وأنه إذا تعارض النص مع العقل
يقدم العقل لأنه أصل النص، ولا يتقدم الفرع على الأصل.. وسرعان ما تغير
موقفه ومال إلى مذهب المرجئة وهي فرقة كلامية تنتسب
إلى الإسلام خالفوا رأي بعض المذاهب في
مرتكب الكبيرة وغيرها من الأمور، وقالوا بأن كل من آمن بوحدانية الله لا
يمكن الحكم عليه بالكفر، لأن الحكم عليه موكول إلى الله وحده يوم
القيامة مهما كانت الذنوب التي اقترفها. وهم يستندون في اعتقادهم إلى قوله تعالى
(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ
عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وكانت تلك الحاضرة تضخ بالحرية بلا هوادة وتزهر بالتنوع الاجتماعي،
فيها من أطايب العيش ومغريات الحياة ما جعلت هذا الشاب الطموح ساعيا إلى القمة
الزاهرة (قصور الخلفاء) راغبا في المجد والشهرة والمال.
الأثر الثاني العامل في النص (العوامل
خارجية) نموها: والنتيجة صراع فكري ووجودي داخل نفس الشاعر.
أسهمت خصوصية شخصية أبي نواس الغاوية والطامحة والخلاقة والطائشة
والشجاعة في شهرته بين عموم الطبقات في هذه الحاضرة، فكان الطالب النجيب وسط حلقات
العلم في المساجد والشاعر الجريء في مباراة الشعر، والفهلوي في السوق، والنديم
العذب وسط الحانات ومجالس الشرب، ووسط هذا التنوع والمثاقفة بدأت الصراعات
الوجودية تشكل منظوره الخاص وتكون ذائقته الأدبية.
الأثر الثالث العامل في النص (العوامل
الحسية) تكون الشخصية: نضج ووعي فكري وفني خاص عند الشاعر جعلته يلجأ للطرح
المثير لجذب انتباه المتلقي.
وفي خضم هذا الصراع الداخلي في ذات الشاعر مع النزاعات الخارجية تشكلت
هوية أبي نواس العقلية والفنية واستقلت ونضجت بمنأى عن البيئة.
الأثر الرابع العامل في النص (عوامل عقلية) تشكل الهوية
الشخصية: رؤية مختلفة ومغايرة ومتمردة عن المنظومة التي نشأ فيها وسعيه لبناء
منظومة عقلية وفنية خاصة يفسر فيها فهمه للوجود والواقع.
وبدأ أبو نواس في استخدام هبة الشعر وملكة الوعي للتعبير عن فهمه
للوجود والحياة والواقع حوله، فكانت قصائده بمثابة الصرخة العقلية في بيئته
مستعينا باللغة والشعر لتوصيلها.
الأثر الخامس العامل في النص (عوامل فطرية) التعبير عن الذات: استعمال الفن
للتعبير ومحاكاة المعاني من خلال وسيلة الشعر.
وسرعان ما أخذ الشاعر الشهير في اتخاذ الخمرة رمزية مهيجة وملفتة
للنظر والسمع لتمرير رؤيته الفلسفية حول الحياة من خلال قصائده.
الأثر الخامس العامل في النص (عملية الإنتاج) نشر
الأفكار: كتابه القصيدة
وعندما وصلنا هذا النص الشعري كان مسلوبا من تلك العوامل، فرجعنا به
إلى نشوئه للوصول إلى نهاية البداية لفهم المعنى والمراد منه.
الأثر السادس العامل في النص (النص المكتوب) القصيدة
وقد كتبت هذه القصيدة ردا على إبراهيم النظام، فبعدما صاحبه أبو نواس
وهو شاب وأخذ عنه العلم، خالفه في قوله بإن الكبائر تخلد مرتكبها في النار وأنه لا
ينال من الله عفوا ولا مغفرة، لهذا يعود ضمير المخاطب في القصيدة المذكورة إلى
إبراهيم الذي لامه على بعده عن مجالسة ومصاحبة أراذل الناس فكتب هذه
القصيدة قائلا لمعلمه وصاحبه الذي تبدل بينهما الحال:
دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ. وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ
الداءُ.
قراءة ما خلف اللفظ:
لهذا نرى أن هذه القصيدة ما كانت في وصف
الخمر، بل هي نتيجة للصراع بين الفلسفة الوجودية (مذهب المرجئة) الذي يذهب إليه
الشاعر وبين الفلسفة العقلية (مذهب المعتزلة) الذي يذهب إليه النظام. ولم يصف
الخمرة وغوايتها، أنما وصف الصراع القائم بين الفلسفتين. بين من نصبوا أنفسهم حراسا
باسم العقل على العقيدة وصاروا يصدرون الحقيقة المطلقة بين الناس وبين هؤلاء الذين
يؤمنون بأنهم بلغوا من الجهل بقدر ما بلغوا من المعرفة. رغب في أن يقول: إن هذه
المذاهب التي تعصبت لفكرها حتى ظنت أنها تعلو على رحمة الله ومغفرته، أو إنها صنفت
الناس فمن تبعها رضا الله عنه ورضا رسوله، ومن خالفها القول كان مصيره النار. حتى
أحدثت الشقاق والنزاع والخلاف بين المسلمين وتسببت في إراقة الدماء وقتل الأنفس
باسم العقيدة السليمة. بل هذه أكبر الكبائر وهي الخمرة كانت قادرة على تحقيق السلم
والتقبل بين شاربيها التي يغيب عنهم العقل التي تتخذونه مصدرا لتشريعاتكم، فمن
الآن في ميزان الحقيقة هو الفاجر والآثم؟ هذا الذي يصنع الشقاق ويرمي من اختلف عنه
بالفجور والكفر ويخرجه عن الدين؟! أم هذه التي تجمع المختلفون على بساطها بالمحبة
والسلم ولا تصنفهم ولا تدينهم في إيمانهم ولا تدعي أنها ملكت ناصية أعمالهم.
إن قراءة النص قراءة مسحية أو قراءة
استعارية لمفاهيم الآخر، أو الحكم على المعنى من خلال قالب اللفظ وتجميده في معنى
ثابت يؤدي إلى جمود العقل وانحيازية المتلقي وأحد الأسباب في تجميد العقل الإنساني
وتراجع الفكر الإبداعي وسيطرة الفكر الأحادي الجامد الذي يحبس اللفظ في دلالة
معنوية جامدة وثابتة، وعندما ترتبط الدلالات اللفظية بمعنى تكرهه العامة ويرفضه
الشارع المحافظ، ينحبس اللفظ في تصور مسبق ومحدود لا يتجاوزه، فالخمرة في لفظها لا
تتجاوز الحرمة والكراهية والفجور والخروج عن الشرع، كما لا تتجاوز لفظة قوس قزح الآن
مفهوم الشذوذ، حتى أن اللفظ يحكم في النهاية على الرمز والدلالة ويتخلص من أي فرصة
للخروج عن قالبه الجامد فالنصوص التي دخلت في المعتمد الأدبي على أنها نموذج
للسلامة الأدبية تحولت مع الوقت كذلك لنموذج جامد وثابت للمعاني، فالطلل لا يمثل
إلا الوقوف والرحيل لا يمثل إلا السفر، ولفظ الحب لا يعني إلا العلاقة بين رجل
ومرأة والشجاعة لا تعني إلا المعارك والقتل والكرم لا يمكن أن يدل على أنانية
فردية مطلقا. وموت الناقد وتفشي وجود الباحث الذي يستعير مفاهيم من سبقه ويصادق
عليها ويعيد إنتاجها في فهمه للنصوص أخد بالمعنى بعيدا فصارت قراءة النصوص قراءة
جامدة تقليدية متعصبة لا تعيد إحياء النص كما يقولون، بل تقتله في كل مرة تعيد
قراءته.

تعليقات
إرسال تعليق