ظاهرة الوعي بالقضايا الإنسانية في الشعر العباسي. {اللا إنجابية عند المعري - نبذ العنصرية عند أبو نواس وبشار بن برد - العدمية الوجودية عند أبو العتاهية - نزعة الفردانية عند المتنبي}
عندما تهيمن دولة أو حضارة على أمم وقوميات تختلف معها في التاريخ والثقافة، لا تبسط ثقافتها عليها كونها القوة المهيمنة الدخيلة والمسيطرة، أنما تذوب مع الوقت ثقافتها مع ثقافة تلك الأمم التي هيمنت عليها واحلتها وربما تقوت تلك الأمم المستضعفة والمستولى عليها وفرضت ثقافتها على هذه الدولة الدخيلة واحتلتها بدورها من خلال دمج أفكارها وعاداتها ومعتقداتها أو فرضها عليها، وفي هذه المعادلة السياسية نجد نتاج هذا التفاعل والتمازج يتمثل في المنتوج الفكري والثقافي، فحين تتزاوج هذه الأمم وتنصهر أنساقها معاً تتولد ظواهر فكرية وعلمية وأدبية جديدة ومؤثره.
فحين استعمرت العرب الدول المجاورة وفرضت ثقافتها ولغتها وتحولت هذه الأمة إلى حضارة وحاضرة "بدأت تلك الشعوب الجديدة في التوافد حاملة معها ثقافاتها وعلومها منها الثقافة اليونانية والهندية والتركية" فانصهرت هذه العلوم والثقافات القادمة مع التراث العربي. بل شجعت على نمو العلم لتلك العلوم القديمة القادمة للشرق الإسلامي ومنحته مجالا للتطور وكانت تلك العلوم القادمة "خلاصة أبحاث رجال العلم والفلسفة والأدب في القديم على اختلاف الأمم والدول والأماكن (...) وزبدة علوم الآشوريين والبابليين،" وغيرهم من الأمم.
أدى هذا الانفتاح العلمي والثقافي إلى تنوع الحياة اجتماعيا وعرقيا وثقافيا ودينيا وبالتالي دفع الشعراء للتفكير وتقديم مواضيع مختلفة وجديدة متأثرة بتلك العلوم.
أما العامل الأكبر لظهور عوامل شعرية جديدة عقلانية متأثرة بالعوامل السابقة، فيتمثل في الصراعات والنزاعات المتمحورة حول النزعة الدينية المتباينة والتنوع الثقافي والاجتماعي والعرقي، ودفع هذا التنوع إلى بروز الجدل والحجاج والمناظرات بين أصحاب الملل والنحل، والطوائف، والمذاهب، والأعراق. وأخد العلم والتنوير طريقه من الخاصة إلى العامة، فنشأت المدارس وحلقات العلم ودكاكين الوراقين، فنجد أبناء العامة قد نبغا منهم الكثير وظهر بينهم أكبر وأعمق الشعراء والعلماء والمفكرين، وبالتالي "أصبح هذا العقل الجديد تحت ظل الدولة العباسية عقلا علميا فلسفيا واعيا بالقضايا من حوله،" متخذا الشعر وسيلة وأداة للتعبير عنه. وأنتجت هذه المحفزات والعوامل بيئة قوية للعقل الفني والأدبي محفزة إياه للاتساع وتوليده للأفكار التي تفسر المعاني وتعبر عن الوعي بالعالم فتأثر الشعراء بهذه المحفزات "وارتقى شعرهم إلى مسرح الأحداث ومتطلبات العصر وكانت الحياة العباسية الجديدة بكل جوانبها مثيرا قويا" لهم.
وعلى هذا الأمر فهذه المحفزات والصراعات قد خلقت بيئة واعية بالقضايا والأفكار العقلية الإنسانية دفعت بالشعراء لتقديم نموذج فكري يشبه النموذج الحديث في صورته وتفسيره للقضايا الإنسانية فهل كان هؤلاء الشعراء واعين لتلك القضايا وعيًا تامًا؟ وهل برزت تلك القضايا بروزاً ناضجاً في نماذجهم الشعرية؟
للإجابة على هذه الأسئلة سنستعرض نماذج فنية شعرية لتحليلها والوقوف على فهم ما خلف اللفظ فيها، ومن إبراز الظواهر التي سنتوقف عندها ظاهرة الوعي بقضية اللا إنجابية في شعر أبي علاء المعري وظاهرة العنصرية في شعر أبي نواس وبشار بن برد ثم قضية الوعي بالعدمية عند أبي العتاهية وظاهرة النزعة الفردانية في شعر المتنبي.
أولًا:
ظاهرة الدعوة للا إنجابية في شعر أبي العلاء المعري:
جاء عن النبي محمد "تناكحوا تكثروا، فإِني أباهي بكم الأمم يوم القيامة" أو "تزوجوا الودود الولود فإِني مكاثر بكم الأمم" وجاء كذلك "تزوجوا فإِني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة ولا تكونوا كرهبانية النصارى" فإن كانت هذه الدعوة المصبغة بالقدسية والإقرار تضاف إلى دعوة السؤدد والفخر بالبنين والعدد العشائري راسخة في ذاكرة العقل العربي متمكنة فيه متجذرة، فما الذي يجعل شاعرا في القرن الرابع للهجرة، بالرغم من فقدانه بصره منذ طفولته يبصر هذه النتائج المعارضة لتلك القيم والتعاليم المسلم بها؟!.
فعينة الدعوة للإنجاب مع واقع الشاعر لا تنبئ عن أمة قد يتفاخر بها محمد عند قيامته أبدًا، وأما فكرة البقاء على السلالة ونشر جينات الإنسان من أجل أبديته فهي فكرة عبثية نصيبها الفناء، فلن يتذكر أحد سلف الطفل المتسول في طرقات بغداد ولن يهتم أحد لأسباط سبايا أسواق النخاسة. وأما التاريخ فأشد بطشا وقساوة فلا يكترث إلا بالأمجاد الفردية، وعندما يستذكر الحاضر نصرًا فلا يعزوه للجنود الفقراء، بل يعزوه للقواد وحدهم.. ولم تكن فقط عبثية الإنجاب وحدها من أنبتت في عقل أبي علاء المعري هذا الوعي لكنه نظر بقلبه إلى هذا العالم و" رأى أن لا أمل في إصلاح الناس لأن شرور المجتمع ناشئة من طبائع الخلق" فيه، وكان لمعاناته من فقدان البصر والأب وفقدان الأمان في بيئته دوراً آخر في تشكل دعوته للاإنجابية نظرًا لقسوة الحياة وشدتها عليه وعلى من هم في نفس ضعفه وعجزه.
وتنعكس ظاهرة هذا الوعي في قول المعرّي:
نصحُتكَ لا تنكحْ فإِن خفتَ مأثماً ... فأعرسْ ولا تنسلْ فذالك [فذلك] أحزمُ
يتجلى وعي المعّري في إعادة بناء الصورة النمطية لمفهوم الارتباط هنا، فالمرأة في هذا البيت تعبر عن اتصال مفقود بين فكرة بناء العلاقات العابرة في حاضرة كانت النساء تهدى فيها كما تهدى الأنعام، فالمرأة التي تعد معبراً للإنجاب لا يعيرها الرجل عناية في الغالب، مغيبة لا وجود لها وأن كانت متغيبة لا يراها رجل الحضارة العباسية فلن يرى ما سينتج منها، فالدعوة الواعية في هذه الأبيات دعوة لعدم الخلط بين الهوى والغريزة الجسدية ورغبة تكوين إنسان وإنجابه للحياة.
وقوله:
وإذا أرتم للبنين كرامة... فالحزم أجمع تركهم في الأظهر
ونجد هنا ظاهرة واعية تعكس تمرد الشاعر على بيئته العربية التي كانت ترى أن الفرد يرث كرامته من عصبته أو قبيلته ونسبه، وربما ذهب بعضهم للتفاخر على الآخر بالنسب الموروث حتى مع ضنك الحياة ومرارتها والتي في غالب الوقت لا يمنح هذا النسب هذا الإنسان الفخور أي كرامة في حياته.
وله أيضًا:
وليت وليدا مَاتَ سَاعَة وَضعه ... وَلم يرتضع من أمه النُّفَسَاء
وولادة الطفل بداية لانبعاث الحزن والألم، فالمعري يعز نشأة الشرور للإنسان في شعره وموت الطفل يعني موت المعاناة كلها.
وعند العودة إلى الورث الديني الداعي لقدسية الزواج، نجد النبي محمد داعيا أمته في حديثه: من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، لكننا نجد المعرّي وقد تمرد على هذا النسق المقدس بقوله:
وَالْبَاءُ مِثْلُ الْبَاء .... يَخْفِضُ لِلدَّنَاءَةِ أَوْ يَجُرّ
سَلِ الفـؤاد عن الحـياة ... فإنها شـرّ وشـرُّ
ويرى الزواج دناءة تجر الإنسان نحو غريزته الأنانية، فهو يدرك معنى أن يعيش الإنسان تعاسة الحياة ومرارتها نتيجة لتلك الرغبة التي جرت والديه. لهذا يتخذ أبو علاء موقفه في التصدي لهذه الرغبة فيقول:
واصَلَ حَبلُ النَسلِ ما بَينَ آدَمٍ ... وَبَيني وَلَم يوصِلَ بِلامِيَ باءُ
وَزَهَّدَني في الخَلقِ مَعرِفَتي بِهِم ... وَعِلمي بِأَنَّ العالَمينَ هَباء
فها هو يصل إليه حبل نسل آدم فيتصدى إليه، وما كان قراره في قطع هذا النسل إلا معرفته بحقيقة البشر وعبثية الحياة، ونهاية كل حي، فإذا كان مصير الوجود مرتبطا بالفناء ومصير البشر يلازمه الشقاء، فما الهدف من الإنجاب إذن؟!
وقال في ترك التزوج والولد:
وتركت فيهم نعمة العدم التي ... سبقت وصدّت عن نعيم العاجل
ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة ... ترمى بهم في موبقات الآجل
فنجد ظاهرة الوعي بحقيقة العدم التي سبقت وجود الإنسان قائمة في شعر المعري، فهو يراها نعمة رفضها البشر وعاجلوها بنقمة الوجود.
وقيل لأبي العلاء المعري ماذا نكتب على قبرك؟ قال اكتبوا عليه:
هذا ما جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد
ويتبنى المعّري موقفه من قضية الإنجاب لا من خلال موقف شخصي قصير النظر، بل من خلال تجربة واعية بالمؤثرات والعوامل التي إحاطته وكونت وعيه بالقضية، لتبرز لنا أهم ظاهرة شعرية في عصره، وربما أعاد أبا العلاء صياغة الخلود من منظوره لا من خلال التناسل الجسدي، بل من خلال التناسل العقلي، فها هو يخلد اسمه دون أن يعرض آخر للشقاء والتعاسة، ويبرز اسمه في كل العصور، على عكس هؤلاء المتناسلون الذين لم يتركوا أغلبهم أثرا وقد عبروا الحياة عبورا صامتا.
ثانياً:
ظاهرة الدعوة لنبذ العنصرية في شعر أبي نواس وبشار بن برد:
تبدأ خيوط الحضارة الإسلامية الأولى بعد نزول القرآن في نسج قوانين إنسانية جديدة تهدف إلى الدخول في عصر يشجع على المساواة ويحارب العنصرية، فتنزل الآية في سورة الحجرات { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } وتتعاقب التعاليم من النبي، "لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ أَلا لا فَضْلَ لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى أَلا قد بلغت قالوا نعم ثم قَالَ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ" و"أنَّ أَنْسَابَكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ" . لكن سرعان ما تضمحل هذه التعاليم وتعود العرب إلى عرقيتها وتظهر العنصرية المتشنجة في بيئة التمدن، فنجد بشار بن برد يتصدى بشعره في إحدى الظواهر الشعرية التجديدية بأهمية المساواة، فتذكر الأخبار "دخل إعرابي على مجزأة بن ثور السدوسي، وبشار عنده، وعليه بزة الشعراء، فقال الإعرابي من الرجل؟ فقالوا رجل شاعر، فقال: أمولى هو أم عربي؟ قالوا، بل هو مولى، فقال الإعرابي وما للمولى والشعر! فغضب بشار وسكت هني ثم (...) أنشد يقول:"
سَأُخبِرُ فاخِرَ الأَعرابِ عَنّي ... وَعَنهُ حينَ بارَزَ لِلفَخارِ
أَنا اِبنُ الأَكرَمينَ أَباً وَأُمّاً ... تَنازَعَني المَرازِبُ مِن طُخارِ
إِذا اِنقَلَبَ الزَمانُ عَلا بَعَبدٍ ... وَسَفَّلَ بِالبَطاريقِ الكِبارِ
مَلَكناكُم فَغَطَّينا عَلَيكُم ... وَلَم نَنصِبكُمُ غَرَضاً لِزارِ
تفاخِرُ يا اِبنَ راعِيَةٍ وَراعٍ ... بَني الأَحرارِ حَسبُكَ مِن خَسارِ
وله أيضاً:
أصبَحتَ مَولى ذي الجَلالِ وَبَعضُهُم ... مَولى العُرَيبِ فَجُد بِفَضلِكَ وَاِفخَرِ
مَولاكَ أَكرَمُ مِن تَميمٍ كُلِّها ... َهلِ الفَعالِ وَمِن قُرَيشِ المَعشَرِ
فَاِرجَع إِلى مَولاكَ غَيرَ مُدافَعٍ ... سُبحانَ مَولاكَ الأَجَلِّ الأَكبَرِ
وفي ظاهرة تنبأ عن وعي بشار بقضية العنصرية وخطورتها على الفرد والجماعة، نجده في دفاعه لا يدافع عن نفسه ولا عن عرقه، ولا يمكن أن نتهم موقفه الواعي هذا كما فعل الباحثين بتهمة الشعبوية، بل كان بشار "ضد العنصرية التي أرهق بها العرب الموالي" ورسالته تدعو "إلى العودة لروح الإسلام وجوهره (...) بمطلق المساواة بين الناس دون تمييز".
وأما أبو نواس، فسار في "نفس الدروب التي مهّدها من قبله بشار، إذ نراه يشغب على العرب من جهة، ويحاول أن يطلق على خصومه نفس السهام المسمومة التي كان يطلقها بشار وبعض من عاصروه." فيقدم نموذجا واعيا شديد اللهجة كما هي طبيعته في لفت الانتباه إلى القضايا في شعره فيستعمل الألفاظ المثيرة والأساليب المهيجة في محاولة منه لتطهير أفكار من حوله، فنجده مثل ما عرفنا عنه، يعمد إلى تحطيم ما يبجل ويقدس، فيحطم صنمية العصبية والقبلية والعرقية، وينتصر للمجد الذي يكتسبه الفرد بصلاحه وإنسانيته لا بنسبه. وقد عمد إلى كسر تابو العرب الأكبر (الفخر) بالقبيلة، فبين عيوبها وكشف عن جانبها الهزيل، فالقرشي لا عز له لأن الصدفة الكونية عزته إلى قبيلته إنما العزة في عمل الفرد الذي تكبر وتعتز به عشيرته فنجده يتطرق إلى هذا في قوله:
واهج نزاراً وأفر جلدتها ... وهتك الستر عن مثالبها
واحبب قريشاً لحب أحمدها ... واشكر لها الجزل من مواهبها
إن قريشاً إذا هي انتسبت ... كان لنا الشطر من مناسبها
أما تميم فغير راحضة ... ما شلشل العبد في شواربها
أول مجد لها وآخر ... هإن ذكر المجدُ قوس حاجيها
وقيس عيلان لا أريد لها ... من المخازي سوى مُحاربها
وإن أكل الأيور موبقها ... ومطلق من لسان عائبها
وما لبكر بن وائل عصم ... إلا بحمقائها وكاذبها
ولم تعف كلبها بنو أسد ... عبيدُ عيرانة وراكبها
وتغلب تندب الطلول ولم ... تثأر قتيلاً على ائبها
ثالثاً:
ظاهرة النزعة الذاتية في شعر المتنبي:
إذا رغبنا في تلمس ظاهرة الوعي بالذاتية والفردانية، فلن نجد أحسن من نماذج شعر المتنبي في العصر العباسي، فتبدو معرفته بذاته النموذج الأول الذي يعّبر عن خروج العربي من نسق الجماعة إلى نسق الفردانية، فكان الشاعر لا يرى ذاته إلا من خلال قبيلته، ولا يعتز بنتاجه إلا بمدحه الملوك والوزراء والخلفاء فيستمد من ظلهم فيّهُ، فها هو كما لم نسمع عن شعراء قبله، فحين يطلب منه سيف الدولة أن يصحبه إلى حلب وينزل عنده، يشترط المتنبي عليه "أن لا يقبّل الأرض بين يديه وأن لا ينشده مدائحه إلا قاعد."
فالمتنبي في وعيه بذاته لا يرى اكتماله وذاتيته وفردانيته تنبعث من خارجه، إنما يراها متعالية عن كل ما هو بشري وعادي، فنراه في قصيدته يقول:
ما مقامى بأرض نخلة إلا ... كمقام المسيح بين اليهود
ويتهم المتنبي بادعاء النبوة، وما كان يدعو إلا لأهمية الوعي بالذات، فهو يرى نتاجه ونبوغه تفرداً ومعجزة أدبية ستضيف إلى جيله، و"أما لقبه المتنبي فهو الذي لقب نفسه به، أو لعل بعض المعجبين بشعره هم الذين لقبوه به، رمزا لعبقريته الشعرية وأنه يأتي في أشعاره بالمعجز الذي ليس له سابقة." ونجد مقدار وعيه بضرورة معرفة الذات للوصول للقناعة والارتواء بالنفس والكف عن امتداد القيمة من الآخرين، يتمثل في قصائده التي تنبئ عن ظاهرة شعرية تجديدية واعية بأهمية معرفة الذات، فيقول:
فلا عبرت بى ساعة لا تعزّنى ... ولا صحبتنى مهجة تقبل الظّلما
وتتكرر ظاهرة فخر المتنبي بفردانيته وامتداده قيمته من نفسه كفرد وجوده مكسب مع الملوك والخلفاء لا العكس فنجده يخاطب سيف الدولة قائلا:
أنَا الذي نَظَـرَ الأعْمَـى إلى أدَبـي ... وَأسْمَعَتْ كَلِماتـي مَنْ بـهِ صَمَـمُ
ألخَيْـلُ وَاللّيْـلُ وَالبَيْـداءُ تَعرِفُنـي ... وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَـمُ
وفي هذه الأبيات نظرة واعية بأهمية الفرد وإنتاجه، فالمتنبي كان واعياً لتأثير أدبه وفكره، فهو بمثابة البصر الذي تبصر به الأمم العمياء وتلتفت إلى صوته الأمم الصماء، وفي أنبل التعابير دقة في الشعر العربي يزاوج المتنبي الوسطية بين الحاضر والماضي، فهو يعرف الماضي المتمثل في شطر الخيل والبيداء والليل وهو تاريخ العرب لهذا عرفه الحاضر، وهو يدرك أهمية القوة والعلم في حاضره لهذا سيعرفه المستقبل.
رابعًا:
ظاهرة العدمية الوجودية في شعر أبي العتاهية:
تعزو قصائد أبي تمام إلى الزهد في كافة المباحث التي كتب فيها الباحثين، لكن السؤال يبقى ما الذي يدفع شاعرا مثله قد عاش ما عاش وجرب كل ملذات الحياة وتخطى كل قواعد مجتمعه أن يعتزل هذه الحياة ويزهدها، ما الذي وقع عليها منها حتى عدمت تلك الملذات في عينه واسودت ليالي العراق المشرقة بالملهيات والمثيرات في قلبه؟!. فنجد في الأخبار عنه صنوفا من الخيبات والتقلبات التي مر بها في نشأته وصباه. نشأ في الكوفة في أشد الأزمنة طبقية وكانت الإنباط التي هو منها أدنى طبقة اجتماعية في الكوفة، فترعرع في نظام طبقي ظالم لا يحمل الفرد على ماهيته، بل على نسبه، وعانى من الفوارق الاجتماعية التي أخمدت إقباله للحياة، فعاش ظروفا نفسية قاسية، ومن ثم مرت به في حداثته تجربة نفسية كان لها عمق الأثر في حياته فقد تعلق قلبه بغرام امرأة نائحة اسمها سعدي فتخلت عنه وتركته ثم تعلق قلبه بجارية الخليفة المهدي عتبة لكنها أعرضت عنه وشكته للخليفة فسجن بسببها بل إنها توسلت للمهدي ألا يهبها لبائع جرار مثله، وعاش بعد ذلك أبو العتاهية ظروف نفسية قاسية الشيء التي جعلته يضرب في شعاب الحياة مع المخنثين من شباب الكوفة، لكنه بعد كل هذا العبث والصراع معى المعنى رأى عدمية السعي ورفض الحياة له مهما قدم ومهما سعى لتغيير مصيره فزهد فيها وتنسك عنها وأعرض عنها كما أعرضت عنه.
فنجد بعد ذلك في قصائده ظاهرة العدم والإحساس بالتشاؤم فصار لا يرى من الوجود إلا الفناء والموت ومصير الإنسان المحتوم فيقول عن الحياة والدهر:
حَلاوَتُها مَمزوجَةٌ بِمَرارَةٍ... وَراحَتُها مَمزوجَةٌ بِعَناءِ
وَمَزَّقَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ جَماعَةٍ ... وَكَدَّرَ رَيبُ الدَهرِ كُلَّ صَفاءِ
أَزورُ قُبورَ المُترَفينَ فَلا أَرى ... بَهاءً وَكانوا قَبلُ أَهلَ بَهاءِ
ونجده أيضًا يرى عبثية الحياة إذا كان مصير كل شيء يؤول إلى الفناء في شعره فيقول:
وَكَمْ مِنْ عَظِيمِ الشَّأْنِ فِي قَعْرِ حُفْرَةٍ ... تَلَحَّفَ فِيهَا بِالثَّرَى وَتَسَرْبَلا
أَيَا صَاحِبَ الدُّنْيَا وَثِقْتَ بِمَنْزِلٍ ... تَرَى الْمَوتَ فِيهِ بِالْعِبَادِ مُوَكَّلا
تُنَافِسُ فِي الدُّنْيَا لِتَبْلُغَ عِزَّهَا ... وَلَسْتَ تَنَالُ العِزَّ حَتَّى تَذَلَّلا
وله كذلك:
أينَ الْقُرونُ بنَوُ الْقُرونِ ... وَذَوُو الْمَدائِنِ والْحُصونِ
ويرى أبو العتاهية عبثية العطاء والحب والتضحيات والتطلع فيقول:
يُسْلِمُ الْمَرْءَ أَخُوهُ ... لِلْمنَايا وأَبُوهُ
وأبُو الأَبْناءِ لا يَبْـ ... ـقَى ولا يَبْقى بَنوهُ
رُبَّ مَذْكُورٍ لِقَوْمٍ ... غابَ عَنْهُمْ فَنَسُوهُ
ونجد في هذه القصيدة أشد المعاني عتمة في التعبير عن مراحل عبث الحياة فلا يرى منها إلا الموت والفناء والنسيان والوحدة، وأن مصير كل حي النسيان. ففي زهده الكبير وانعكاس حاله وعي عميق بقضية المصير وعبث المعنى، فقدم بذلك في شعره أعمق فهما لهذه الظاهرة الإنسانية في عصره.
وفي ختام تحليلنا لتلك النماذج الشعرية نجد بعد هذه الدراسة للتفتيش عن ظاهرة الوعي بالقضايا الإنسانية في الشعر العباسي وجود فهما متجذراً عند الشعراء للقضايا المطروحة وأن كان فهما غير مكثف لكنه حمل إلينا تشكلات نفسية نجدها عبر التاريخ متمثلة في فنون الإنسان لكنها تظهر بقوة في تحضره، وكان الشاعر العباسي قد وصل إلى قمة وعيه في زمنه ومّثل هذا الوعي في شعره، فكانت النزعة العقلية أهم ما يميز الشعر العباسي، وتحول الشعر في الحضارة العباسية من شعر يحافظ على بنية القصيدة وفنيتها إلى وسيلة تفسر الحياة وتنتقدها، وبالفعل ارتقت القصيدة العباسية من قصيدة جامدة تقليدية محدودة الظواهر والمواضيع إلى مبدأ التطهير بالفن.
وعودة إلى نتاج هذه الفترة الأدبية نجد ظاهرة الوعي بالقضايا الإنسانية متجذرة في كل قصيدة فالشاعر العباسية بفنه ونزعته العقلية لم يكن يهدف في أغلب قصائده للطرح البنيوي كما قيل عن بعض الشعراء بقدر ما كان يهدف إلى تمثيل وعيه بقضاياه في قصائده.
قائمة المصادر والمراجع:
- ابن الأبار، محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي، التكملة لكتاب الصلة، ت - عبد السلام الهراس، دار الفكر للطباعة - لبنان،١٩٩٥م
- بطال، محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبي، أبو عبد الله، النَّظْمُ المُسْتَعْذَبُ فِي تفْسِير غريبِ ألْفَاظِ المهَذّبِ، ت - مصطفى عبد الحفيظ سَالِم، المكتبة التجارية، مكة المكرمة (دون تاريخ نشر)
- الأزهري، أحمد بن محمد بن الصدِّيق بن أحمد، أبو الفيض الغُمَارِي الحسني، الهداية في تخريج أحاديث البداية (بداية المجتهد لابن رشد)، ت: علي حسن الطويل، ط ١، دار عالم الكتب، بيروت - لبنان،١٩٨٧م،
- زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، يورك هاوس شيت ستريت ويندسور المملكة المتحدة مؤسسة هنداوي 2013م
- السلمان، عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، موارد الظمآن لدروس الزمان، خطب وحكم وأحكام وقواعد ومواعظ وآداب وأخلاق حسان، ط ٣٠، ٥ (دون دار نشر)، ١٤٢٣هـ
- شهاب الدين، أحمد بن يحيى بن فضل الله القرشي العدوي العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، ط١، ج١٥، المجمع الثقافي، أبو ظبي، ١٤٢٣هـ
- ضيف، شوقي، تاريخ الأدب العربي، ط ١، دار المعارف - مصر، ١٩٦٠ - ١٩٩٥ م
- الطيب، أحمد الاتجاهات التجديدية وأثرها في نهضة الشعر في العصر العباسي الأول دراسة تحليلية نقدية مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، جامعة امدرمان الإسلامية كلية الدراسات العليا كلية اللغة العربية قسم الدراسات الأدبية والنقدية، ٢٠٠٧
- القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية ١٣
- المعّري، أَبُو اَلْعَلَاءِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ اَلْقُضَاعِي اَلتَّنُوخِي، ديوان اللزوميات، ت أمين عبد العزيز الخانجي مكتبة الهلال - بيروت دون تاريخ نشر)
- ابن المعتز، عبد الله بن محمد العباسي، طبقات الشعراء، ت - عبد الستار أحمد فراج، ط ٣، دار المعارف - القاهرة، (بدون تاريخ نشر)
- المحاملي، الحسين بن إسماعيل بن محمد، أبو عبد الله البغدادي، أمالي المحاملي، ت - حمدي عبد المجيد السلفي، ط١، ج٣، دار النوادر، ٢٠٠٦ م
- النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ت - الشيخ زكريا عميرات، ط ١، ج ٤، دار الكتب العلميه - بيروت، ١٤١٦ هـ
- وِل ديورَانت، ويليام جيمس ديورَانت، قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود وآخرون، مجلد ١١، ج١٣، دار الجيل، بيروت - لبنان، ٢٠٠٢
- الهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان، أبو الحسن، ت - خلاف محمود عبد السميع، ط ١، ج٣ دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ٢٠٠١م
- نجيب، أحمد قيش بن محمد، مجمع الحكم والأمثال في الشعر العربي، مطبوع، المكتبة الشاملة، (دون تاريخ نشر)




تعليقات
إرسال تعليق