التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا نعشق شخصية توني سوبرانو المجرم؛ القاتل؛ الخائن؟ ولماذا نميل بطبيعتنا إلى الإعجاب بالشخصيات الشريرة؟


ملاحظة مهمة" لا يوجد حرق للأحداث، ولا وصف مباشر للأحداث الدرامية.


      توني سوبرانو شخصية خيالية صنعها الكاتب الإيطالي الأمريكي دافيد شايس ضمن شخصيات مسلسل شهير بعنوان آل سوبرانو في عام ١٩٩٩م.

 توني شخصية فاعلة في العمل الدرامي، من خلالها تنطلق السرديات الأخرى لتشكيل البنية الدرامية. تتمثل شخصيته الخارجية في كونه أب ورئيس مافيا إيطالية وابن وأخ وزوج وصاحب نادي للكبار، وأما شخصيته الداخلية التي يسلط عليها الكاتب الضوء فهي شخصية تعاني من اكتئاب، وهلع، وقلق، وغضب وميل شديد للإجرام.

تتخدد الأحداث في المسلسل مسارين، المسار الأول يتجسم في الصراعات الخارجية للأحداث الزمنية التي يعيش فيها البطل ويتحرك داخلها أما الثاني فيتمثل في الصراعات الداخلية، ويعمد الكاتب إلى تفكيك المكونات التي شكلت شخصية توني، متخذا من النظريات العلمية في علم النفس نافذة يرى من خلالها المتلقي العوامل التي أسهمت في تكوين شخصية توني وشكلته.

لكن عندما يشاهد المتلقي مسلسل آل سوبرانو سيقع مباشرة في عشق شخصية توني الشريرة، فلماذا يُعشق هذا الرجل المجرم؛ القاتل؛ الخائن؟ ولماذا نميل بطبيعتنا إلى الإعجاب بشخصية شريرة مخادعة ومؤذية تخالف الطبيعة البشرية التي تنزع إلى الخير والأمن والعدالة؟   

     في الحلقة الأولى من العمل نجد توني يجلس على كرسي في عيادة للطب النفسي ضد رغبته لكن الأمر كما يتضح لنا كان آخر الخيارات المتاحة لتفسير نوبات الهلع والإغماء التي بدأت تؤرق حياته، ومن خلال هذه الجلسات تبدأ الطبيبة "ملفي" في تفكيك شخصية توني وتحليلها رغم الخطورة الشديدة التي تتفطنها فهي تقابل أخطر شخصية إجرامية في نيويورك. 

 لتبدأ رحلتنا في فهم مكونات توني التي جعلتنا كمتلقين نميل إليه ميلا عنيفا رغم عدم منطقية هذا الميل لنجد هذه الصفات التي تهوي إليها أفئدة الناس تكّون شخصية توني من الخارج أولا.

يملك توني على عكسنا جميعا الحرية المطلقة في اختيار رغباته وسلوكياته، توني لا يلتزم بالقوانين كما نفعل، فهو سلطة مستقلة بذاتها، وعلى الرغم من زواجه من امرأة محبة ومعطاء إلا أنه لا يلتزم بالقدسية الأخلاقية للزواج، يدرك جيدًا أن خياناته المستمرة والدائمة إلى زوجته ليست سببا من الأسباب التي قد يخسر من أجلها زوجته، ورغم وجوده في دولة ذات سيادة وقانون، فهو وعصابته دولة مستقلة لها قوانينها الداخلية التي لا تتأثر بالسلطة الخارجية، توني فوق كل قانون وضعي ومدني وديني أو أخلاقي أو عرفي، لا تعرف رغباته الحدود التي نفطنها ولا الكبت التي يعاني منه أغلب البشر. 

على الرغم من خروج توني عن كل الأخلاقيات المتعارف عليها إلا أننا نجد شخصية متناقضة تماما داخل عائلته، فتوني رجل محب جدًا لعائلته مراعيا ومعيلا، يغرق زوجته بالماديات وكل سبل الرخاء حاضرا لأولاده، وأمه، وشقيقاته، وأصدقاءه دائما. 

شخصية قيادية محنكة، قادرة على خلق فريق يقدّره ويكن له الولاء والطاعة العمياء.

لكن كل هذه الصفات لا تبدو منطقية لكون المتلقي يتعاطف مع شخصية شريرة، فما الذي يجعلنا إذن نعشق الشخصيات الإجرامية ونتقبلها ونتعاطف معها ونواليها في بعض الأوقات؟ 

من أهم العوامل التي تجعل المتلقي يتعاطف مع شخصية توني ويعشقه هو الوصول إلى تفاصيل طفولته ونشأته، فعند العودة بالسرد الدرامي إلى نشأة البطل نجد أنفسنا نشهد الحياة التي ولد فيها توني. ولد توني في أسرة إيطالية تقليدية غير عادية، فعائلته أحد أهم المنظمات الإجرامية الإيطالية في نيويورك. 

    لعب العامل الوراثي للجينات الإجرامية الدور الأول في تكوين شخصيته، ومن ثم لعبت البيئة التي نشأ فيها في تشكيل هويته، ويرى علم النفس أن الفرد يرث غرائزه المرتبطة بالخير والشر لكن هذه الغرائز لا يتم توجيهها وتفعيلها إلا من قبل البيئة والتعلم.

 ونجد ضمن السياق الدرامي كيف شهد توني على حالات الاعتقالات والعنف والقتل من قبل والده لكن هذا ليس كل شيء، فمن جانب آخر نشهد علاقة توني بوالدته وهي علاقة تتسم بالعنف، خالية من المشاعر والحب والأمان والتعاطف، فوالدته شخصية تعاني من اضطراب الشخصية الحدية وهي شخصية لا تفهم التعاطف ولا الحب وتدفع من حولها دائما للعنف والخلاف، شخصية انتقادية ومزاجية. فينشأ توني فاقدا الاحتياجات الأساسية الصحية المساهمة في تكوين الشخصية المستقرة المتزنة، وتعد الحاجيات الأساسية للنشأة خمس احتياجات: 

الأمن 

المحبة 

التقدير

النجاح 

السلطة 

 وكما نشهد في العمل يفتقد توني في نشأته إلى هذه المقومات الأساسية وأهمها الأمن الجسدي والنفسي والعاطفي، فتوني معرّض دائما للعنف الشديد نظرا لبيئته التي تحيطه بالقتل والضرب والتعنيف النفسي، وغياب عاطفة الأم فلا يشعر توني في طفولته بالأمان من ناحية والدته، ويغيب هذا الشعور تجاه والده التي يتردد على السجن بين فينة وأخرى عندما لا يكون معرضا للقتل بالطبع. 

وأما المحبة فنجد توني لا يجد منها إلا النزر القليل من ناحية عمه ووالده فقط، ولا نجد التقدير كذلك حاضرا في حياة توني الأولى فهو شخصية دائمة السعي لإرضاء والدته التي تقابله بالنقد السلبي والعصبية والغضب. 

وعلى الصعيد الاجتماعي نجد شخصية توني خارج بيئته وعائلته شخصية لا تستطيع التعايش والنجاح مع المجتمع غير الإجرامي، ونظرا لطبيعة الولاء والنمطية في العوائل الاجرامية لا يستطيع الخروج من بيئته، وبالتالي احتمالية تكيفه مع المجتمعات الطبيعية معدومة مما يجعله منغمسًا في التكيف داخل بيئته التي أسهمت في تطور غرائزه الإجرامية، وعندما يحاول توني الاندماج مع الثقافة الأمريكية الحديثة لا يستطيع.  

     وأثناء نمو ما يسمى بالذاكرة الانفعالية عند توني، وتسمى كذلك بالذاكرة العاطفية.

 "الذاكرة الانفعالية هي نوع من أنواع الذاكرة التي ترتبط بالتجارب العاطفية والانفعالات. تتعلق هذه الذاكرة بالأحداث أو التجارب التي تثير مشاعر قوية مثل الفرح، الحزن، الغضب، الخوف، أو الدهشة. تلعب الذاكرة الانفعالية دوراً مهماً في كيفية تذكر الأفراد للمواقف والأحداث، حيث إن التجارب المرتبطة بمشاعر قوية تميل إلى أن تكون أكثر تذكراً ووضوحاً بالمقارنة مع الأحداث العادية. 

على سبيل المثال، قد يتذكر الشخص حادثة سيئة تعرض لها أثناء طفولته بسبب الشعور القوي بالخوف أو الحزن الذي صاحب تلك الحادثة. هذا النوع من الذاكرة يكون له تأثير كبير على السلوكيات والتصرفات المستقبلية، وقد يسهم في تشكيل استجابات الأفراد في مواقف مشابهة في المستقبل." فنجد الدور الحيوي في نموها وتطورها مرتبطا بالعنف وغياب كل مقومات الأمان والصواب والتعاطف.

ويرى عالم النفس "مكدوجل" إن التغيرات الفسيولوجية والجسمية المصاحبة للانفعال تساعد الفعل الغريزي ليتم عمله والأعضاء الداخلية للجسم تتكيف مع الانفعال الناتج عن العقل والمشاعر فعلى سبيل المثال" عند الإحساس بالخوف، حتى تتحقق عملية الهروب من الخطر تتسع الرئتين لأخذ الهواء النقي وطرد الهواء الفاسد حتى تتم عملية الاحتراق بسرعة ويتوزع الدم في المعدة وتحاول الأمعاء طرد ما فيها ليكون الجسم أخف" وهذا ما نراه في حالة توني التي بدأت حالات الإغماء تسيطر عليه عندما لا يستطيع الهروب من الحالات الخطرة التي يعيش فيها وهي حياته المرتبطة في طفولته بمنزله وبيئته. 

وأما السلطة والنجاح فهي في مفهومها الطبيعي مشوهة جدًا في حياته، فالنجاح كان من نصيبه لكن بطريقة غير آمنة، نجاح في القيادة والثراء وتكوين أسرة، لكن خلف هذا النجاح اضطرابات تشعر توني بالخوف والألم وتأنيب الضمير والقلق من فقدانها بسبب طبيعتها التي تخالف المعتاد.

     في الختام نتوصل إلى أن مزامنتنا للواقع الذي شكل بعض الشخصيات الشريرة يجعلنا متعاطفين جدًا معها حتى مع علمنا بالشر التي صدر منها أو سيصدر، وهذا يفسر تبريرنا للشر الذي يقوم به اشخاص نعرفهم جيدًا في حياتنا ونشهد على العنف النفسي والجسدي الصادر منهم، كما تغرينا الشخصيات التي تحقق رغباتنا المكبوتة بفعل الاخلاقيات التي يتم فرضها علينا وربما تعكس تلك الشخصيات تجاربنا الشخصية أو تتقاطع مع رغبتنا في التحرر من الفضائل التي تجعلنا ضعفاء، وهذه الجرأة التي تمتلكها الشخصيات الضارة بالمجتمع فيها جانب بطولي خفي يحقق للبعض انتصارات على الذات غير الواعية، انتصارات لا نستطيع نحن البشر الطبيعيون حتى التجرؤ على التفكير فيها، هذه البطولات الخفية قد تحقق لنا إطلاق رغباتنا المدفونة وتحرر غرائزنا من معاقل القانون والأخلاق والمنطق والدين، لهذا تجد أنصارا ومحبين لكل طاغية وشرير في العالم، طاغية يحقق بطولات نفسية إلى كل عاجز وضعيف أمام رغباته وجانبه المظلم والشرير.  


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي -آليات التلاعب في الخطاب-

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي  -آليات التلاعب في الخطاب- أهمية الخطاب السياسي وسلطة اللغة في تشكيل الإدراك:       في عالم السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من ثروات مالية أو ترسانة عسكرية، بل بما تمتلكه من لغة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك وتوجيهه نحو الآخر. فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم فعليًا في تغييره، إذ تملك سلطة ذهنية هائلة تُمكنها من التحكم في المفردات، وإعادة إنتاج المفاهيم، وتهيئة العقول لتقبّل ما يُراد تمريره من دلالات وأفكار.      فاللغة، شأنها شأن الحدود السياسية، لا تعبر الواقع فحسب، بل تُعيد تقسيمه وفق منظور سلطوي معيّن. "إنها تصنيف مجسّد للأشياء من حولنا، تُعيد خلقها على مستوى الإدراك، وتهيّئ الدماغ لتلقّي المفاهيم ضمن قوالب أنطولوجية محددة. فهي تمنح كل فكرة دالًا ومدلولًا، وتُيسر عبورها إلى الوعي الجمعي، حتى تتحول إلى مفهوم "راسخ" يقاوم الشك والمراجعة.  ولذلك، فإن كل معركة سياسية تُخاض بسلاحين متلازمين: السلاح الفعلي، واللغة. وكما تقتل الرصاصة، قد تقتل الاستعارة كذلك، أو تبرر العدوا...