التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التجليات الذاتية في أدبية حسين كاظم. تحليل الخطاب السردي في روايته (قيامة الخفافيش). والرد على ذلك من قبل المؤلف" حسين كاظم يجيب على النقد"





      إن فهمنا للعمل الأدبي يتوقف على فهمنا لخالق النص ومبدعه، لأن النص يترعرع إلى جانب صانعه، وهذه الرمزيات الضائعة بين طيات اللفظ ما هي إلا دلالات تترجم تجارب ومخاوف وأحلام المؤلف.


العنوان عتبة النص:" قيامة الخفافيش"
إن التجاوز عن العنوان بذاته تجاوز جائر، فمن غير المعقول ألا تطأ قدمك عتبة النص، ثم تدعي معرفتك التامة بما خلفها. لذا قبل أن ندعي معرفتنا بما خلف مجلد الرواية، علينا أولًا فهم عتبتها. 

تبدأ الرواية بمفردة "قيامة"، وهي مفردة تدل بشكل واضح على معنى ديني اعتقادي، لكنها خلف ذاك المعنى تدل على معنى يتصل بالأفكار التي يطرحها المؤلف، فقيامة الكاتب هي قيامة على الموروث الفكري، إذ يظن الكاتب أن القيامة الحقيقية هي قيامة الإنسان من جهله. أما الخفافيش، فهي إسقاطات على اعتقاد الكاتب بإن عملية التنوير لا يمكن أن تتم في العلن لشدة خطورتها. 

السرد والتقنية:
    بنى المؤلف روايته على حبكة متينة تجلت في فهمه الواضح للتقنيات الأدبية، وبرزت تلك القدرة في متانة الحبكة السردية، وقدرته على استعمال تعدد السارد دون أن يختل ذلك التعدد بوحدة البنية السردية للعمل، وأما قدرته الوصفية فقد تجلت في أكثر من مشهد، ولعل أبرزها مشهد الاغتصاب الذي يجعل القارئ يشعر بالانزعاج الشديد، وهذه أحد مؤشرات نجاح الكاتب في خلق الخوف والنفور في نفس المتلقي، وأن شاب هذا المشهد بعض المعلومات العلمية غير الدقيقة إلا أنه كان من أكثر المشاهد أصالة في الرواية. كما نجح المؤلف في جذب القارئ وصيده حين دس الفضول في المشاهد الأولى التي أخذت بتلابيب عقل المتلقي. ونجد الكاتب قد عمد إلى استخدام حبكات فرعية تلتقي مع الحبكة الرئيسية وتتصل بها دون انقطاع، كما أن تصاعد تلك الحبكات ووصولها معًا إلى مصب الصراعات وانفراجها وتجليات المواقف الغامضة، جاءت سلسلة دون تعقيد. 

نجد الشخصيات في الكون السردي ثابتة لا تحمل في جينها الروائي أي حبكة ذاتية، فالتغيير يكون على قدر الظروف التي تحيط بها والصراعات التي تحركها، وقلما نجد في مكونها النقلة النوعية والحواجز التي تخلع عن الشخصية جلدها القديم وتظهرها بعد كل تلك المؤثرات والحوادث والصراعات بجلد جديد قد صنعته الظروف والعوامل الجديدة. 

بيئة النص:
    نجد في بيئة العمل الروائي بيئة أحادية، تخرج من عين الكاتب فهي عدسة ينقل من خلالها مفهومه ورؤيته الخاصة عن هذا المكان، فهي بيئة جاهلة مؤدلجة قل فيها وجود المفكرين خارج الصندوق، وإن وجدوا فهم إما مهشمون أو منبوذون، لا أمان فيها للمختلف، يسيطر فيها الفهم الديني، وتغيب فيها المفاهيم الأخرى، وإن وجدت فهي تتوارى دائما.
ونجد في هذه البيئة صورة مهشمة عن الأسرة، تبدو مندمجة من الخارج لكنها متفككة من الداخل، علاقات قائمة على التوتر والخوف من فقد الدفء والحب والقبول في حال اكتشف كل فرد حقيقة الآخر.
أما المكون الاجتماعي فهو قائم على نظرة الفرد الخارج عن السرب، المهدد من قبلها، والذي يملك في أغلب الأوقات فهما متعاليا عليها. والمرأة في هذه البيئة تنحصر في مسارين: الأول مسار المرأة القروية المقيدة بقواعد بيئتها لكنها امرأة تعطي الدعم والحب على طبق من خوف وتردد، والثاني المرأة خارج القرية المتحررة من القيود، تمنح اللذة والعبث والجنون، لكنها امرأة نفعية دون وفاء. 

الشخصية المحورية سلمان:
     هذه الشخصية حين خلقها المؤلف، صنع منها رمزية جوهرية مثالية إلى حد الإفراط، فهي شخصية فطنة حادة الذكاء، مثقفة ومتسامحة ورقيقة المشاعر، ذات مظهر حسن، الجميع يتغنى بذكائها في كافة المواقف، الجميع يؤكد على حدة ذكائها المفرط. 

ومن المفارقات التي قد لا تبدو منطقية أن حتى أعدائها يشهدون لها بهذا الذكاء الحاد والفطنة والثقافة العالية، ومما يؤكد على محاولة المؤلف على إسقاطات رمزيات غير واعية على تكرار تلك الصورة وتوكيدها في السرد فنجد مفردات تلاحق الشخصية في كل مرة تظهر فيها مثل: حاد الذكاء، مثقف، فطن، أكرهه لكنه ذكي، وتجد الجميع يرغب في مناطحتها فكريًا حتى أشد أعدائها. 

لكنها شخصية كذلك تمتلك العجز البشري، تشعر بالخوف من النبذ الاجتماعي، من فقد الدفء والقبول الأسري، ينتابها الشك والتردد حول مواقفها الاعتقادية والدينية بالخصوص، تشعر بالقلق من أن ينكشف أمرها، أو أن ما قاتلت من أجله يكون سرابا، تشعر بالندم لأنها تتسبب بالألم لمن حولها، لكنها في المقابل تتألم دون أن يلتفت إليها أحد، مجتهدة جدًا وطموحة وقادرة على التأقلم بسرعة وقبول قدرها لإيمانها الدائم بذاتها. 
تخوض الشخصية مرحلة فكرية في الرواية، تبدأ من تفاعلها الآمن مع بيئتها وتلاحمها مع الأسرة والمجتمع، ثم تخوض مرحلة الوحدة والشعور بالتحول الذي يجعلها تبدأ في مرحلة الشك، وهذه المرحلة نجدها شخصية لا تتفاعل إلا مع شخوص محددة غالبًا ما توفر لها منفعة عقلية وفكرية فقط أو منفعة عاطفية، ونجدها في المرحلة الأخيرة تستسلم وتشعر بالندم على بعض المواقف، وهذا الاستسلام يعكس الصراعات الفكرية التي تؤمن في النهاية بفشل مشروعها الإصلاحي، فتتوصل الشخصية إلى أن بيئتها غير قابلة للإصلاح. 

وقد نجد الرمزيات والصراعات تتمثل فيما يلي: 

الأفكار المثالية: 
صراع سلمان مع مثاليته الثقافية والتصرفات العنيفة، يعكس فكرته عن ضرورة العنف لتحقيق العدالة.

الدين:
صراع سلمان مع المبادئ الدينية قد يتعارض مع أفعاله، فيؤثر الأمر على شعوره بالذنب والتبرير الدائم بالحجج والأفكار التي يطرحها ويرغب في تأكيد الآخرين عليها.

الأسرة:
علاقة الشخصية بأسرتها متوترة بسبب أنشطتها السرية.  

الشخصيات الثانوية والمحورية في الرواية:
     في الواقع كانت الشخصيات الأخرى، وإن حاول الكاتب إعطاءها خصائصها، تبدو وكأنها تنبع من جديد كالبيئة من عين سلمان فقط أو تخرج من معطفه، فنجد شخصيات عادية في مواقف عامة تخضع لفكرة العرض الثقافي للمعلومات والأفكار العميقة، فشخصية محمد العبثية والتي لا أعتقد أنها قد فقهت معنى كلمة ثقافة، نجدها تطرح مواضيع عميقة أكبر من أن تتسع لها فضاضتها وهمجيتها، وشخصية الضابط داخل المركز التأديبي تتحول إلى شخصية تجلس في صالون ثقافي تقارع خصمها المثقف لا شخصية متهمة عندها.    
ونجد في مركز السجن شخصيات عامة سطحية من عادتها أن يضيق صدرها بأي حوار يجعل عقلها يعمل، أو لا تستطيع أن تفرق بين الخلاف والاختلاف، تستلذ بالمقارعة والحوار وكأنه تصفية نهائية لرياضة شعبية، وقد يخالج المتلقي غير المحيط ببحور الاطلاع، غير المهتم بالثقافة، والذي قد يشتري الرواية من أجل المتعة السردية، شعور بغيض وكأن المؤلف يفرض عليه كل معلومة قد قرأها، وهذا الجانب قد يجده هذا المتلقي جانبا منفرا. فإذا أسقط القارئ كل تلك الصفحات التي تستعرض هذه الكمية الثقيلة من المعلومات والأفكار الفلسفية والاقتباسات، لن تسقط حبكة الرواية معها ولن يتوه المتلقي، ولن تضل الحكاية طريقها.  

لكننا نجد في الشخصيات تنوعا ثقافيا واجتماعيا ينم عن ملاحظة الكاتب للكينونة الخارجية للشخوص، ودوافعها النابعة عن الطبيعة البشرية وتأثرها الواضح بالعوامل من حولها، شخصيات تتفاعل بحسب الظروف القاهرة، وأخرى تمتلك وعيا للتفاعل مع ذاتها، وشخصيات تمتلك الوعي لكنها تقمعه للاستمرار في التفاعل فقط مع رهبة الظروف التي تحيط بها، مستسلمة أو خانعة تحت ظل الحياة، ترعبها فكرة النهاية والقيامة، وتخشى من نتائج ما قد تحمله خفافيش الظلام إليها. 



السارد حسين كاظم يرد: 

إلى الأخت العزيزة/ زهراء منصور..

تحية عطرة وبعد..

    ليس ثمة من سعادة لأي كاتب حقيقي، أكثر من سعادة وجود القارئ النبيه، والقارئة النبيهة. والقرّاء النبيهون هم أولئك الذين لا يكتفون بقراءة النصّ من السطح، بل يحاولون الولوج إلى أعمق أعماقه، وعيش عوالمه، بحلوها ومرّها، واكتشاف كنهها، وفكّ رموزها، ومشاكسة شخصياتها، وتحليل مضامينها وأحداثها وزمانها ومكانها.
    ومن خلال قراءتي لما قدَّمتِه من نقد لروايتي "قيامة الخفافيش"، وما قرأته سابقًا من كتاباتك ونقدك لنصوص أخرى، فإني وجدتُ فيكِ قارئةً نبيهةً لا يُشَقّ لها غبار! ورغم تحفّظاتي على بعض التفسيرات والتحليلاتِ التي قدّمتِها في نقدك المتميز، إلا أن سعادتي لمجرد وجود قارئة وناقدة مثلكِ لروايتي الأولى.. سعادة لا توصف! ناهيكِ عن سعادتي الغامرة بهذا النقد الحصيف نفسه!
    ولا أخفي إعجابي الشديد بملاحظاتك الدقيقة للتقنيات السردية المستعملة في النص، ولسائر التفاصيل في الرواية، التي لم يلتفت لغيرها أحد قبلك تقريبًا، ممن حاورني بخصوص الرواية.
    وأما عن التحفظات التي سألتِني تفصيلَها، فهي كالآتي:

1. العلاقة بين المؤلف والنص: 
    في مطلع نقدكِ للرواية، جاءت تلك الفقرة المشاكِسة -وأعني هنا المشاكَسة بمعناها الإيجابي لا السلبي-، التي تقول بدايتها بأن "فهمنا للعمل الأدبي يتوقف على فهمنا لخالق النص ومبدعه".
    وعليّ أن أعترف بأنّي لا أوافق على هذه العبارة. وإذا سمحتِ لي، فلعلّي أقول بأن هذه العبارة، والطريقة "القطعية" الجازمةَ بصحّتها، ليست دقيقة! ولا أتحدّث هنا عن رؤيتك لروايتي ولعلاقتها بي تحديدًا، كخالقها ومبدعها، بل وعلى العموم: لا يتوقف فهمنا للعمل الأدبي "دائما" على فهمنا لخالق النص ومبدعه. ولذلك قلت بأن عبارتك ليست دقيقة؛ لأنها لا تنطبق على كلّ الأعمال الأدبية، ولا تنطبق دائمًا عليها.
    لا شكّ بأن كلّ عمل أدبي يحمل في طيّاته شيئًا -على الأقل- من مخاوف المؤلف وتجاربه وأحلامه، كما ذكرتِ، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أننا لن نفهم النصّ الأدبي، ما لم نفهم الكاتب نفسه!
    أذكر مثلًا رواية "استسلام"، لمبدعها "راي لوريغا": رواية هي من أروع ما قرأت من روايات، تجمع بين اليوتوبيا والدستوبيا، في نصّ واحد. قرأت تلك الرواية قبل أربعة أعوام تقريبًا، واستوعبتُها، وعشقتُها، وأنا ما أزال، حتى الساعة، حتى وقت كتابة هذه السطور، لا أعرف شيئًا عن الكاتب سوى اسمه وجنسيته!
    وبإمكاني أن أعدّد الكثير من النصوص والروايات العظيمة التي تُقرأ، وتُتداول على واسع النطاق، دون أن يعرف قرّائها شيئًا عن مؤلفيها! ولا أدلّ على ذلك من "آرثر كونان دويل"، خالق شخصية "شارلوك هولمز"، وكاتب الرواياتِ والقصصِ التي هو الشخصية الأساسية فيها: لقد تعلق الناس بشخصية "شارلوك هولمز" وعشقوها، بينما كرهها كاتبها نفسه، وحاول قتلها أكثر من مرة، ولكنّ الجماهير غضبت لذلك، وطالبت بإعادته للحياة، فوجد كونان دويل بأن "مخلوقه" قد تغلب على "خالقه"، ومنعه من تحقيق ذاته! وحتى يومنا هذا، يعرف الناس "شارلوك هولمز"، ولكن لا يكاد أحد يعرف "آرثر كونان دويل" نفسه!
    لا يعني ذلك أن فهم القراء لروايات "شارلوك هولمز" قد توقف!
    يمكن كلّيًّا للقارئ أن يفهم النصّ، بكل ما يحمله النصّ من دلالات، وتجارب، ومخاوف، وأحلام، دون أن يعرف أي شيء عن الكاتب! 
    وينطبق ذلك على "قيامة الخفافيش" أيضًا: فلربما قرأها قارئٌ لا يعرف شيئًا عن "حسين كاظم"، ولم يسمع به قط من قبل أبدًا، ولكن، وبكل ما تحمله "قيامة الخفافيش" من "قيامة"، سيتمكن من فهمها، ولن تعوقه عدم معرفته بـ"حسين" عن فهم روايته!

2. العنوان:
    أحسنتِ وأجدتِ في قولكِ بأن "التجاوز عن العنوان بذاته تجاوز جائر"، وأحسنتِ في تأويلكِ لفظ "القيامة" في العنوان، بما في الرواية من "قيامة على الموروث الفكري"، كما تفضَّلتِ. 
    ولكنّي أجد بأنكِ قد بالغتِ في تأويلكِ لمصطلح "الخفافيش"، فجانبكِ الصواب في قولكِ بـ"اعتقاد الكاتب بأن عملية التنوير لا يمكن أن تتم في العلن لشدة خطورتها".
    لا شك بأني أعتقد بأن عملية التنوير "صعبة"، وأن "ثمنها باهظ"، ولكنّ ذلك لا يعني بأني أعتقد بأن عملية التنوير لا يمكن أن تتم في العلن! بل، وعلى العكس تمامًا، فإني أجد بأن عملية التنوير، من أجل أن تنجح، لا بد من أن تكون علنية!
    ولكنّ ما أعنيه بـ"الخفافيش" في العنوان، بكل بساطة، إلى جانب شخصيات "الخفافيش" المقصودة في الرواية نفسها، لهو تلك الفئات المُضطهدة والمُغيّبة في المجتمع، والتي يمكن لها أن تثور على المجتمع في أية لحظة، بفعل الظلم المجتمعي. ولا علاقة لذلك، كما لا يخفى عليكِ، بصعوبة عملية التنوير واستحالة القيام بها في العلن.

3. بيئة النص:
    لن أجادل في رؤيتك بأن "الشخصيات في الكون السردي ثابتة لا تحمل في جينها الروائي أي حبكة ذاتية"، كما تفضَّلتِ، وبأن الظروف والصراعات في الرواية هي التي تحركّها. فهذا أمرٌ متروكٌ للقارئ الحكمُ فيه، وهو أمرٌ يتفاوت ويختلف من قارئٍ لآخر. وإذا كانت زهراء قد تلقّت الشخصيات بهذه الطريقة، فهذه رؤيتها، وقد يخالفها في ذلك قرّاءٌ آخرون رأوا العكس. 
    ولكن من بين تحفظاتي على نقدك الرائع والممتع يا زهراء، قولك بأن "بيئة العمل الروائي بيئة أحادية، تخرج من عين الكاتب فهي عدسة ينقل من خلالها مفهومه ورؤيته الخاصة عن هذا المكان". 
    مجدّدًا: هكذا تلقت زهراء الرواية! ولكنّي، أيتها الأخت العزيزة، لا أرى، ككاتب، بأن روايتي قد كانت "بيئة أحادية أنقل فيها فهمي للعالم". 
    ثمة بيئات أخرى في الرواية (وأعني هنا مفهومك للبيئة، أي المنظور الشخصي للعالم، كما فهمته من سطورك): ثمة مثلًا منظور محمد عبدالكريم المتدين -المتطرف- للعالم، الذي يرى بأن المجتمع مجتمع فاضل ويحافظ على العفة والطهارة والدين، وبأنه يقي من المفاسد. وثمة أيضًا منظور الملازم بسّام، المتدين المعتدل، وكذلك فراس، الذي يتذبذب إيمانه ولكنه يبقى على التديّن.. وهلم جرًّا. 

4. المرأة القروية والمرأة المدنية:
    ثمة مقطع في الرواية فعلًا يتحدث عن الفروق بين أهل القرى وأهل المدن. ولكنّي لا أخفي دهشتي البالغة، التي تخللها شيء من الاستنكار، عند قراءتي السطر التالي: "المرأة خارج القرية المتحررة من القيود، تمنح اللذة والعبث والجنون، لكنها امرأة نفعية دون وفاء"!
    هل تحاول زهراء بأن تورطني في مشاكل مع بنات المدن؟ (أمزح)!
    لم يرد في الرواية شيء كذلك أبدًا! بل ولم يأتِ فيها أي ذكر على شيء يشبه ذلك أيتها العزيزة زهراء! وحتى في ذلك المقطع الذي يقارن بين أهل القرى وأهل المدن، فإنه لم يخصّ الجنس النسائي في المقارنة، ولم يرد شيءٌ يشبه ذلك أيضًا! بل كان كل ما احتوته المقارنة تقريبًا: علاقة الفرد بالمجتمع بين أهل القرية وأهل المدينة!
    وفي هذا الموضع، فإني أؤكد احترامي الخالص لبنات المدن، ولبنات القرى أيضًا، وبأني أنفي نسبة ما جاء في تلك الفقرة لي شخصيًّا: لا علاقة بوفاء المرأة وولائها أبدًا بكونها ابنة قرية أو ابنة مدينة! وإني لأبرأ من الحطّ من شأن أية امرأة لمجرد نسبتها لأية بيئة! وخالص الود والاحترام لكل النساء.
    وختامًا..
    هذه كانت مؤاخذاتي الأربع فقط، أضيف إليها مؤاخذة واحدة، وهي أن نقدكِ لم يطُل، أيتها القارئة النبيهة! 
    كنتُ أتمنى قراءة المزيد من ملاحظاتك وتحليلاتك، ولا أخفيك بأني دُهِشتُ لعدم حديثك عن "القرية باء"، كخلفية مكانية أساسية للرواية ومسرح للأحداث، وعن "الشيخ الكنعاني"، وعلاقة "سلمان" به في الرواية.
    استمري في الكتابة والنقد والإبداع، وإني لأتطلع لقراءة المزيد من قلمك المتميز.
    مع خالص الود والاحترام.
أخوكِ:
حسين كاظم
5 يوليو 2024



ملاحظة سريعة للرد عليه:

السارد والعزيز حسين: 

     لقد كانت سعادة مشتركة، فلا شيء "أقدس" من كاتب يقبل أن يتفحص ذاته أحد.

     على ما يبدو أن قضية المؤلف وعلاقته بالنص، والصراعات اللفظية والحوارات لم تمر كمصادفة عبثية هذا الأسبوع، بل كانت من تدبير القدر، فشبح التناص؛ موت المؤلف؛ نشأة النص وبيئته. مواضيع طاردتنا طوال هذا الأسبوع حتى أني أعلنت الحداد عليها، لكنها بقيت تتعقبنا. 
وقد وجدت ضبابية شتت المعنى المقصود كما يشتته المؤلف باللفظ عامدًا أو مغيباً. فماذا نعني بوصل المؤلف بنصه؟ 

علاقة النص بالمؤلف:
     إن النص الذي نتلقاه ما هو إلا عينة أخيرة خضعت لعملية مركبة، فالنص لا يولدّه الكاتب في لحظة تدوينه وعرضه، ولا يصوغ معانيه من خلال أدوات الكتابة واللغة، لكن النص كما ذكرت يرافق الكاتب منذ نشأته حتى لحظة عتقه على الورق.
 فعملية الكتابة هي عملية تحرير للمشاعر والأفكار التي اكتسبناها وعلقت بنا بموجب عوامل نشأتنا، وتعد بيئة المؤلف وسيرورة تجاربه وحياته، آلات تشارك في خلق النص وإنتاجه. 

فالثورة البلشفية وحمى الفكر الاشتراكي، وبيئة مكسيم غوركي والعناصر التي أحاطت به منذ نشأته، وسياط النظام البرجوازي في حياته وموت جدته القريبة من قلبه، كلها كانت الآلات خلقت وصنعت روايته الأم. 
وهذا هو المعنى من قولنا: إن فهمنا للعمل الأدبي يتوقف على فهمنا لخالق النص ومبدعه. 


تشاكل الدلالة: بين المرأة القروية والمدنية.
     بموجب تكرار الدلالة وتشاكلها، فكل شخصية قروية تقريبًا في الرواية، هي شخصية حنون، محبة للأسرة تخاف جرح عائلتها، لكنها في المقابل، كيان خاضع إلى سطوة الأب والزوج والشقيق والمجتمع والعادات، تخشى كلام الناس، وعلاقاتها ونشاطاتها تتم في الخفاء.
وكل شخصية خارج القرية، منفتحة، نشاطاتها ظاهرة، نجد علاقتها بالشخصية "سلمان" متذبذبة، لا تكتمل العلاقة ودائما لها أثر سلبي، تجذبه نحو المشاكل والقلق.  


  شكراً لهذا الوقت الذي كرسته لأجل قراءك.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي -آليات التلاعب في الخطاب-

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي  -آليات التلاعب في الخطاب- أهمية الخطاب السياسي وسلطة اللغة في تشكيل الإدراك:       في عالم السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من ثروات مالية أو ترسانة عسكرية، بل بما تمتلكه من لغة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك وتوجيهه نحو الآخر. فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم فعليًا في تغييره، إذ تملك سلطة ذهنية هائلة تُمكنها من التحكم في المفردات، وإعادة إنتاج المفاهيم، وتهيئة العقول لتقبّل ما يُراد تمريره من دلالات وأفكار.      فاللغة، شأنها شأن الحدود السياسية، لا تعبر الواقع فحسب، بل تُعيد تقسيمه وفق منظور سلطوي معيّن. "إنها تصنيف مجسّد للأشياء من حولنا، تُعيد خلقها على مستوى الإدراك، وتهيّئ الدماغ لتلقّي المفاهيم ضمن قوالب أنطولوجية محددة. فهي تمنح كل فكرة دالًا ومدلولًا، وتُيسر عبورها إلى الوعي الجمعي، حتى تتحول إلى مفهوم "راسخ" يقاوم الشك والمراجعة.  ولذلك، فإن كل معركة سياسية تُخاض بسلاحين متلازمين: السلاح الفعلي، واللغة. وكما تقتل الرصاصة، قد تقتل الاستعارة كذلك، أو تبرر العدوا...