في عهد المأمون، نقلت مؤلفات أفلاطون، وأرسطاطليس، وجالينوس، وإقليدس وأبقراط من اليونانية إلى العربية حيث اكتظ بيت الحكمة في عهده بالنقلة والمترجمين والناسخين والفلاسفة، والعلماء. ولم يكتفِ هؤلاء بنسخ علوم الشرق والغرب، بل ذهبوا إلى إنتاج علوم جديدة في مختلف الأمور. حتى استوى العقل وبدأت إمارة النزعة الفكرية تهيمن على طبيعة الحياة، ودخل المنطق والقياس في الأحكام الشرعية والفقه، وظهرت المذاهب العقلية، وتعمقت الفرق المذهبية في الاستقراء والاستنباط والاجتهاد في الأحكام.
وقد تدفعنا هذه الخلفية الفكرية إلى طرح الكثير من الأسئلة، أحد هذه الأسئلة: ما الذي يجعل أمة قد بلغت قمة الحضارة ورفعت راية التمدن، أن تظل متمسكة بفكرة إجازة زواج الصغيرات والتلذذ بهن قبل بلوغهن الحلم؟
بقايا الذاكرة العربية، الجذور والأفكار:
كان الرجل في الجاهلية ينظر إلى رأي المرأة على أن فيه وهنًا وضعفًا وأنه دون رأيه بكثير، وتصور الرجل أن مقاييس الحكم عندها دون مقاييسه في الدقة والضبط. وقد رأى العرب أن من الحمق الأخذ برأي المرأة. فكانوا إذا أرادوا ضرب المثل بضعف رأي وخطله قالوا عنه: "رأي النساء" و "رأي نساء" وقالوا: شاوروهن وخالفوهن، (...) حتى ذهب البعض إلى عدم وجود رأي للمرأة.
وعلى هذه القياس الاجتماعي والتاريخي، عدت المرأة قبل ظهور الإسلام مخلوقا "ناقص العقل" لا يملك حق تقرير مصيره لافتقاده القدرة على التفكير، مما يجعله بطبيعة الحال يدخل في وصاية رجل يدبر عنه حياته ويتخير قدره. وبذلك تكون الأنثى تحت ولاية الرجل منذ ولادتها. وبطبيعة الحال، تنتقل ملكيتها إلى الأب، وعند موته تكون الوصاية لأقرب رجل في العائلة.
وفي عصر الجاهلية، يرى الرجل أنه مسؤول عن حياة الأنثى التي لا تملك فهما كافيا لاختيار حياتها المستقبلية. فإذا تقدم رجل يطلب الزواج من ابنته البكر وارتضاه هو زوجها إياها، وليس للبنت أن تمتنع أو تبدي رأيها فيمن يطلبها. والعادة أن أمر الزواج في الجاهلية كان بيد الأب ودونه من الرجال ذوي القربى، وليس للبنت معارضة وليّها الشرعي في الزواج.
وكان تزويج الأب كرائمه الصغيرات عائدا إلى عوامل عدة، أبرزها:
• الصراعات القبلية التي ينتج عنها السبي واغتصاب النساء واسترقاق الأطفال وبيعهم في أسواق النخاسة المنتشرة في المدن.
• قسوة الحياة والفقر الذي جعل هؤلاء الأعراب يزوجون البنات وهن صغيرات.
• التحالف بين القبائل بالزواج.
• خوف الأب من ضياع فرصة مصاهرة إحدى القبائل الرفيعة في النسب والشرف.
وزواج الصغيرات، كان عادة عربية جاهلية نشأت بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بتلك الفترة الزمنية.
فتزف البنت إلى زوجها وهي صغيرة قبل البلوغ، وتسمى أُهَيْجنة، وَذَلِكَ أَن أَهلهم أَهْجَنُوهم أَي زَوَّجُوهم صِغَارًا. ويرغب العرب عادة في التزوج بالأبكار، ويفضلون الأبكار الصغار على الأبكار الكبار.
فشاعت هذه الثقافة والتصقت بالعادات العربية وصارت جزءا من الثقافة حتى بعد ظهور الإسلام، فنجد الشاعر ابن أبي بغل يقول:
إلا فالصغار ألذّ طعما و أحلى إن أردت بهم فعالا
والإسلام في الواقع حفظ لـلأب سلطته فـي تزويج ابنته وسوّغ له التصرف في تزويجها سواءً تمت التاسعة مـن عمرها أولم تبلغ الحلم وجعل العقد لازما لها إذا كبرت ولا يحل لها أن تتحلل منه عند بعض الفقهاء، واشترط بعضهم جواز تزويجها فقط إذا كان الأب معروفا بسداد الرأي وحسن الاختيار، فهو ما زوجها إلا بدافع حرصه على مصلحتها.
الآثار التاريخية في الأحكام الإسلامية:
"النكاح والعقد"
ونجد في الخطاب الإسلامي مفاهيم لتلك الأصول الأولى من الذاكرة العربية، فقد جاء في كتاب العناية شرح الهداية {يَقْبِضُ الْأَبُ صَدَاقَهَا -البكر- بِغَيْرِ أَمْرِهاَ، وَالْوِلَايَةُ عَلَى الصَّغِيرَةِ لِقُصُورِ عَقْلِهَا}
وقال الشافعي: للجد أن يجبرها على النكاح، صغيرة كانت أو كبيرة إذا كانت بكرا، كالأب.
وجاء في كتاب فقه النكاح والفرائض {تخطب البكر البالغة العاقلة الرشيدة من نفسها أو من وليها، أما الصغيرة فإنها تخطب وتزوج من وليها لا من نفسها؛ لعدم إدراكها ما فيه مصلحتها إن كانت بكرًا}.
وقال النووي: {جواز تزويج الأب الصغيرة بغير إذنها لأنه لا إذن لها} وفي كتاب شرح زاد المستقنع {فالبكر دون تسع سنوات: لأبيها أن يجبرها على النكاح عند جميع الفقهاء وحكي إجماعاً حتى شيخ الإسلام - رحمه الله}.
ونجد في الخطاب الفقهي، أن المرأة البكر لا تملك الوعي الكافي لقصور عقلها، ولا تدرك مصلحتها، ولأبيها حق إجبارها وتزويجها، كونه العارف بمصلحتها.
" التمتع الجنسي بالصغيرات"
وأما التمتع الجنسي بالصغيرة بعد عقد نكاحها فقد جاء كذلك مفصلًا في كتب الفقهاء وأحكامهم، {روي عن أحمد في رجل خاف أن تنشقَ مثانَتُه من الشَّبق، أو تنشقَّ أنثياه لحبس الماء في زمن رمضان: يَسْتَخرج الماء. ولم يَذْكر بأي شيء يستخرجُه، قال: وعندي أنه يستخرجُه بما لا يفسد صومَ غيره؛ كاستمنائه بيده أو ببدن زوجته أو أمته غير الصائمة، فإن كان له أمَةٌ طفلة أو صغيرة استمنى بيدها، وكذلك الكافرة.}
ويرى الشافعي: إذا قاربت البلوغ وكانت جسيمة تحتمل الجماع فلزوجها أن يدخل بها وإلا منعها أهلها حتى تحتمله.
وجاء في كتاب شرح زاد المستقنع أحمد الخليل {في ضابط المرأة التي يوطأ مثلها, أنه أمر يختلف باختلاف النساء, فقد تكون المرأة لها تسع سنوات ولا يمكن أن توطأ بل لها عشر ولا يمكن أن توطأ، وقد تكون امرأة أخرى لها سبع سنوات ويمكن أن توطأ, فإنّ هذا الأمر يرجع إلى طبيعة المرأة وطبيعة جسد المرأة, وما يتعلق بهذه الأمور, وهذا القول الثاني وهو أنه يختلف باختلاف النساء وأنه لا يتحدد بسن هو القول الصحيح إن شاء الله، بناء على هذا إذا عقد على امرأة ولها ثمان سنوات وهذه المرأة جسدها يقبل الوطء ويمكن أن تفهم ما يقع بين الزوج والزوجة من المعاشرة، فإنه يجب على أهل الزوجة أن يسلموها إليه}
وفي كتاب الفتاوى العالمكيرية الفتاوى الهندية {وَإِذَا نَقَدَ الزَّوْجُ الْمَهْرَ وَطَلَبَ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْمُرَ أَبَا الْمَرْأَةِ بِتَسْلِيمِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ أَبُوهَا: إنَّهَا صَغِيرَةٌ لَا تَصْلُحُ لِلرِّجَالِ وَلَا تُطِيقُ الْجِمَاعَ وَقَالَ الزَّوْجُ بَلْ هِيَ تَصْلُحُ وَتُطِيقُ يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَخْرُجُ أَخْرَجَهَا وَأَحْضَرَهَا وَيُنْظَرُ إلَيْهَا فَإِنْ صَلَحَتْ لِلرِّجَالِ أَمَرَ بِدَفْعِهَا إلَى الزَّوْجِ}.
وعندهم {ليس لذلك سن معين؛ لاختلاف ذلك باختلاف أحوال البنات؛ من وفور الجسم ونحافته. ولا يشترط بلوغها الحلم لكمال لذة الزوج بوطئها متى أمكن وطؤها ولو لم تكن بلغت الحلم.}
وفي كتاب الاستبصار للطوسي {البكر صبية التي لم تبلغ فإنه لا يجوز التمتع بها إلا بإذن أبيها}
وإما عند الشيخ الصدوق {إذا لم يكن لها أب يجوز وإذا كان لها أب فلا أو بأن يجوز بدون اذن الأب إذا لم يرد اقتضاضها، وان أراد الاقتضاض فلا يجوز الا بإذن أبيها} وعند الخوئي والخميني والسيستاني {يجوز للزوج الاستمتاعات كاللمس بشهوة والضم والتفخيذ ولا بأس بها حتى في الرضيعة} وقال السيستاني {ولو وطئها قبل إكمال التسع ولم يفضها لم يترتب عليه شئ غير الإثم على الأقوى}
وقد اختلفوا في الإيلاج في فرج الصغيرة التي لا يوطأ مثلها، هل يجب على من وطئها الغسل؟، فقيل في مذهب الحنيفة لا يجب مطلقًا، وإما المالكية: إن كانت تطيق الجماع وجب عليه الغسل، وإلا فلا.
إذن جاز للرجل مهما بلغ من العمر التمتع بالطفلة أو الرضيعة ووطؤها إذا قدرت وطاقت ذلك. وهذا الأمر أيضًا يأتي من تقدير الرجل، فإن كان تقدير وليها العارف بمصلحتها يجيز ذلك جاز للآخر التمتع بها، حتى لو كانت في المهد.
لكن خالف بعض الفقهاء الوقت الذي يجوز فيه وطئها، وذهب بعضهم إلى وضع سن محدد للدخول بها، فينطلق الفقه المالكي من رواية {أنَّ أبا بكر الصديق زَوَّجَ عائشة من النّبيّ وهي صغيرةٌ لها سبع سنين، وبنى بها ولها تسع}
وكذلك ذهب الحنابلة إلى {أنّ المرأة التي يوطأ مثلها تحد بالسنين، فإذا تمت تسع سنوات، فهي امرأة يوطأ مثلها، وإن كانت أقل فهي امرأة لا يوطأ مثلها، واستدلوا على هذا بأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على عائشة وبنى بها وهي بنت تسع سنين.}
وفي كتاب كشاف القناع عن متن الإقناع جاء نصًا {في رواية أبي الحارث، في الصغيرة يطلبها زوجها: فإن أتى عليها تسع دفعت إليه، ليس لهم أن يحبسوها بعد التسع (...) لأن الغالب أن ابنة تسع يتمكن عن الاستمتاع بها، فيلزم تسليم بنت تسع (ولو كانت نِضْوَة الخِلْقة) أي: مهزولة الجسم،}
وعند ابن تميمة: {يشترط رضاها بعد تسع سنين؛ لأن بنت تسع سنين بدأت تتحرك شهوتها وتحس بالنكاح، فلا بد من إذنها}
وفي المذهب الشيعي الجعفري {لا يجوز وطئ الزوجة قبل إكمال تسع سنين، دواما كان النكاح أو منقطعا} ولكن جاز عندهم ملاعبتها دون افتضاضها.
" الآثار عبر التاريخ"
ويرافق الذاكرة العربية التي توافقت مع الخطاب الديني، خطاب حداثي متذبذب، فالدول التي تستمد قوانينها من جذور الخطاب الإسلامي القائم على اجتهادات رجال الدين عبر العصور، ما زالت تبيح زواج الأطفال وتباركه مخالفة بذلك القوانين الدولية والاجتماعية الحديثة، ويعد زواج الأطفال أحد أكثر أسباب الوفاة شيوعًا للفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 إلى 19 في البلدان النامية بسبب الحمل والولادة. وفي اليمن رفضت لجنة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في مجلس النواب محاولات الحكومة اليمنية لرفع سن الزواج إلى 15 أو 18 عاما.
وتقدر اليونيسف أن أكثر من 4 ملايين طفل تزوجوا قسرا في عام ٢٠٢٠م. وسببت الحرب دفع عدد كبير من الآباء، غير القادرين على تغطية نفقات أطفالهم، إلى تزويج بناتهم الصغيرات مقابل مبلغ من المال، ولم تتجاوز أعمارهن عشر سنوات. ويساعد الخطاب الديني المتزامن مع الحرب على تسهيل زواج الصغيرات تحت شرعية وحلية ومباركة هذا الزواج. ووفقا للمنظمات، بلغت مستويات العنف ضد الفتيات القاصرات المتزوجات مستويات عالية جدا مؤخرا في اليمن.
ويرى العالم الحديث بمنظماته أن زواج الفتيات المبكر يؤثر عليهن من جوانب عديدة، حيث يعد الحمل المبكر والولادة المبكرة من الأسباب الكبرى لوفاة الفتيات. وتعاني فيما بعد الفتيات اللواتي تتكون لديهن مسؤوليات مبكرة جداً من خطر العزلة الاجتماعية والعنف المنزلي أكثر من النساء الأكثر تعليماً واللاتي يتزوجون كبالغات.
ومع هذه الثورة العلمية والتضخم في المنظمات الحقوقية التي تقدم بدورها أدلة تتناسب مع الفكر العلمي والاجتماعي والأخلاقي والطبي الحديث، لا نجد إي اجتهاد حديث في الخطاب الإسلامي في شرعية تزويج الصغيرات، ويقابل هذا الخطاب الاجتهادي، المؤسسات بأطروحاتها وأدلتها، بحديث {بنى بي وأنا ابنة تسع سنين} وآية {واللائي لم يحضن} مع تباين تفسيرها وتأويلها، والخلاف في فهم الحديث والآية فيما بينهم.
المصادر والمراجع:
1. العناية شرح الهداية بهامش فتح القدير ط الحلبي - باب الأولياء
2. العناية شرح الهداية، أكمل الدين، محمد بن محمد بن محمود البابرتي
3. شرح المختصر الكبير للأبهري - كتاب النكاح -
4. عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار، ابن القصار المالكي
5. فقه النكاح والفرائض، محمد عبد اللطيف قنديل
6. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، محمد الأمين
7. شرح زاد المستقنع أحمد الخليل - باب عشرة النساء
8. المبسوط، محمد بن أحمد بن السرخس
9. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي
10. الفتاوى العالمكيرية الفتاوى الهندية - وقت الدخول بالصغيرة - نظام الدين البرنهابوري البلخي وآخرون
11. مواهب الجليل من أدلة خليل، أحمد بن أحمد الشنقيطي
12. كشاف القناع عن متن الإقناع، منصور بن يونس البهوتي
13. شرح النووي على مسلم
14. - كتاب بدائع الفوائد، ابن القيم الجوزي
15. منهاج الصالحين - السيد السيستاني
16. الاستبصار - الشيخ الطوسي
17. من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق
18. تحرير الوسيلة - السيد الخميني
19. المباني في شرح العروة الوثقى، الخوئي
20. المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي
21. محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، الرغب الاصفهاني
22. زواج القاصرات عند العرب والإسلام، جاسم كاظم- الحوار المتمدن-
23. الزواج عند العرب، الترمانيني
24. انتقادات علماء العرب والمسلمين على إسهامات فالسفة اليونان فى تأسيس العلوم الطبيعية ودورهم فى نهوضها إعداد أ.د/ حسن كامل إبراهيم
25. ارتفاع "مروع" في حالات زواج الأطفال قسرا في اليمن، قناة الحرة
26. ويكيبيديا

تعليقات
إرسال تعليق