التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التبشير بالديونيسية في الأولمبيات الفرنسية، ولكن من هو ديونيسوس أو باخوس؟

 


   ضج العالم المسيحي قبل أيام بالافتتاحية في الألعاب الأولمبية لعام 2024، إذ ظهرت أصوات مسيحية ضاقت ذرعًا من استمرار العلمانية المتطرفة التي لا تحاول جاهدة فصل الدين عن السلطة فحسب، بل مسح الدين من أساسه والدعوة لعالم جديد تحكمه الديونيسية.


     ربما قرأ واستزاد الجميع حول محاكاة لوحة العشاء الأخير للسيد المسيح مع حوارييه قبل صلبه وخيانة يهوذا له، وتدنيسها من وجهة نظر المتدينين المسيحيين، إذ تُعد هذه اللوحة من أهم اللوحات التي تجسد أحد أقدس صور المعتقدات المسيحية.

     لكن الأمر في الواقع مختلف، إذ دعت الرمزية الاستعراضية في الحفل بكل وضوح وشفافية لقيام الديونيسية القديمة مقابل غياب المسيحية الجديدة. ويا للسخرية، فالدعوة تنبذ دينًا جديدًا مقابل الدعوة إلى دين قديم لكنه يحقق في المقابل كل الرغبات التي يعارضها الدين الأوروبي الحديث. وهي دعوة غريبة بعض الشيء في دولة لائكية ترفض أن تستمد حداثتها وتشريعاتها من الأديان وتدعو للفصل الصريح بينهم.

      ظهرت شخصية الإله الإغريقي ديونيسوس يتوسط مائدة تجسد دورة الحياة والطبيعة، متقلدًا بالعنب ويطالب العالم بالجلوس على مائدة الحرية الجديدة وتناول كأس التمرد والعودة إلى كنف الطبيعة وتحريرها من المسيحية.

لكن من هو الإله ديونيسوس؟!

     في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، خرج الإله ديونيسوس إلى الحياة من فخذ والده الإله زيوس بعد أن ماتت أمه وهو في بطنها ولم يكتمل نموه بعد رؤيتها لوجه أبيه الحقيقي (أبوه كان إله الصواعق والبرق)، فشق أبوه فخذه وخاط عليه بعد موت أمه حتى اكتمل نموه وخرج إلى العالم. بعد خروجه عُد من أنصاف الأشياء، فنصفه نما في بطن امرأة ونصفه الآخر نما في فخذ رجل، وبهذا تُعد أول صفة لديونيسيوس صفة الازدواجية.

بعد ولادته يتيمًا تعلم كيف يعيش حياة باعثة للأمل والسعادة، فصار رمزًا للتجدد والانبعاث من الألم، حتى اكتشف زراعة العنب وعصره وصناعة النبيذ.

تحول ديونيسوس إلى إله المتعة والبهجة والنشوة والفرح والتحرر من الأقدار، وصارت جماعة من النساء (الباخوسيات) تنذر نفسها من أجل متعته وراحته، حتى تعرض لمحنة أخرى أثر مجونه وكثرة احتفالاته، حيث تم قتله وتقطيعه من قبل بعض الآلهة لكن قلبه الناجي أعطى والده فرصة في عودته وقيامته للحياة من جديد.

وتحول مع الوقت الإله باخوس إلى رمزية دينية يونانية، وظهرت العبادة الديونيسية التي تبدأ طقوسها الاحتفالية ببداية موسم عصر الكروم وصناعة النبيذ.


    وتكريما للإله ديونيسوس تقام الاحتفالات التي تتضمن التحرر من كل القيود، منها الثمالة والعربدة وهجاء باقي الآلهة المعارضة.

  في هذه الاحتفالات نشأت المسرحيات الكوميدية في التاريخ، حيث يهجو الممثلون فيها باقي الآلهة وينتقدونها، وصارت العروض الفنية التي تُقدم في أثينا وباقي الإمبراطورية اليونانية عبارة عن تطهير فني تُمرر فيه الأفكار والمفاهيم التي ترغب السلطة العليا في تطبيعها ونشرها بين العامة، وحتى تُشغل الإمبراطورية العامة والشعب عن الفساد والفقر والجهل والظلم والعنف والثورة عليها، كانت تهتم اهتمامًا كبيرًا بهذه الاحتفالات الفنية وتُقيم المسابقات فيها بين العامة والنخبة.

ورغم أن هذه الاحتفالات ونشأة الفن المسرحي كانت في بادئ الأمر خطة سياسية إلا أن الفلاسفة اليونانيين ومنهم أرسطو اهتموا اهتمامًا كبيرًا بهذه المناسبة في توعية الشعب وصار الترفيه بالنسبة إليهم فرصة ذهبية للتطهير الفكري ومحاولة التمرد على السلطة من خلال الفنون التي تدعمها بدس الأفكار السياسية والعلمية والفكرية في العروض الحية على الجمهور.

    إذن في الذاكرة الأوروبية لا يمكن فصل الفن عن السياسة كما لا يمكن فصل الدين عن الفن، فالدعوة التي بدأت على خشبة المسرح الإغريقي، هي ذاتها على مسرح الأولمبيات في فرنسا.

    فكان الفنانون على خشبة المسرح الكوميدي الإغريقي يرتدون الملابس الملونة والأقنعة الغريبة ويحاكون شخصيات أراذل، سلوكهم باعثا للضحك لكنهم في الوقت نفسه يصورون الحياة الهزلية التي تهجو وتنتقد الواقع المرفوض من وجهة نظرهم.


     نجد هذه الرمزية في الاحتفالية حاضرة بقوة، فالألوان الربيعية دلالة أسطورية إغريقية، فالربيع عنوان المرح والضحك وتكريم للإله باخوس الذي يمنح الربيع كرومه وضحكته وبهجته ونشوته ومجونه.

وقد استخدم أريستوفان وهو كاتب مسرحي إغريقي الاحتفالات والتجمعات والفن والكوميديا في أثينا لتمرير الكثير من النقد ضد المجتمع والدين والسلطة.

      ويبدو أن منظمي الحفل كذلك يدعون بشدة إلى عودة الربيع الفطري كما يرونه، من خلال تكريم الذات الديونيسية، وتحريرها من سطوة الأبولونية، ويعد أبولو في الأساطير الإغريقية نقيضًا للإله باخوس وعدوه، فهو إله النظام والوضوح والانضباط والأحادية والهدوء.

فأبولو: إله الشمس والنور والعقلانية والفنون المتزنة مثل الموسيقى والشعر الكلاسيكي، يرمز إلى النظام والعقل والهدوء.

بينما باخوس (ديونيسوس) هو إله النبيذ والاحتفال والفوضى والنشوة والتجارب الحسية، يرمز إلى العواطف الجامحة والفوضى والتحرر من القيود.

وهذا ما مثلته وصورته الاحتفالات على طاولة الفن السياسي في فرنسا، التحرر من أبولونية النظام والكلاسيكية والغرق في نبيذ باخوس وفوضته ونشوته من أجل ربيع دائم لا ينتهي في العالم.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكتاب الذي لم نقرأه كما كُتب: كيف حُرّف (الخالدون المئة) في ترجمته العربية

     كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عن كتاب (الخالدون المئة) لمايكل هارت أثناء دراستي الجامعية، في محاضرةٍ لأستاذٍ كان على الأغلب يذمّ المستشرقين، لا لاستشراقهم وحسب؛ بل للأفكار المخالفة التي انطلقوا منها، ويخصّ بالذمّ من نقل عنهم واتبعهم دون مساءلة. غير أنّي وجدتُ في ذكره لهذا الكتاب تحديدًا تلطّفًا غير معهود، بل مسحةً من حنوٍّ وتمجيد. وقد راعني الأمر؛ فقد ذكر كتابًا لكاتبٍ غربيٍّ فلم يذمّه، بل توقّف عنده برِقّة، وذكر فيه ما رآه جديرًا بالذكر. قال يومها: إن هذا الكتاب قد ترجمه أنيس منصور عن مايكل هارت، وقد اختصّ فيه هارت النبيَّ محمدًا بالمرتبة الأولى، واعتبره أفضل وأعظم من ترك أثرًا في تاريخ العالم. عدتُ آنذاك إلى ترجمة أنيس منصور، فوجدتُ فيها ما أشار إليه أستاذ المحاضرة من نَعْتٍ طيّبٍ وتمجيدٍ واضحٍ لشخصية النبي محمد. توقّفتُ عند هذا النصّ المترجَم، ولم يخطر ببالي أن أفتّش عن النسخة الأصلية للكتاب. وبعد سنواتٍ عدّة، حين أدركتُ عبر التعلّم والمطالعة والقراءة أن المترجم ليس دائمًا أمينًا في نقله، إذ قد تحكمه عقيدةٌ يحملها، أو فكرةٌ يُبشّر بها، أو يقع في السهو، أو يخو...

فلم (بعد العاصفة) لمريم البحراني: الحرب وآثارها النفسية في ذاكرة الإنسان.

  هل يمكن أن تُولد العدالة من رفع السلاح؟ أم أن الحرب، مهما تزيّنت بشعارات الإصلاح، تظل فعلًا ضد الإنسان؟ في الحرب لا توجد خديعة، بل خداع منظم تحت عرش السلطة وعباءة العقيدة ولواء الولاء، تُباركها صحف تقدّس لتُدنّس بها الإنسانية. باسم كل كلمة مقدسة تُستدعى فيها الحرب، تأتي رافعة بيدها إعلان الإصلاح والخلاص، كأنها تُبشّر بعهدٍ جديد، بينما لا تورث سوى الرماد. فهل عرفنا حربًا أصلحت؟ حربًا لم تُفسد زرعًا ولا بنيانًا، ولم تُسفك دماء الأبرياء، ولم تتحطم فيها الأحلام وتُعطب النفوس؟ أذكر لي حربًا واحدة تُؤمن بأنها صالحة. مابعد العاصفة : هل تهدأ العاصفة حقًا؟ هل الحرب تنتهي فعلًا، أم أنها تبدأ حين ينجو الإنسان من رمادها ليكتشف أنه أسير حتى آخر رمق؟ من ينجو من الحرب؟، أهو ناجٍ أم حاملٌ لندوبها في ذاكرته؟ هل يترك العنف للحلم والأمل موضعًا في نفس شهدت الخراب، أم أن العاصفة تستوطن الذاكرة، فتصير الحرب مقيمة في أعماق الهاربين منها؟. فلم بعد العاصفة لمريم البحراني الفلم الذي يتناول آثار الحرب لا يعرض معركة عسكرية، بل صراعًا وجوديًا بين الإنسان وذاكرته، بين الرغبة في الحياة واستبداد الذاكرة العن...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...