نظرية التنافر المعرفي لليون فستنغر
في أدب ليو تولستوي (رواية سعادة الأسرة)
في عام ١٩٥٨ نشر عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنجر، نظريته في كتابه عندما تفشل النبوءة "ويعطي هذا الكتاب سردًا لتعميق إيمان أعضاء طائفة دينية بعد فشل نبوءتهم القائلة: بأن هبوط جسم غريب على الأرض سيدمرها هو أمر وشيك، ومن ثم يجتمع المؤمنون من هذه الطائفة في مكان ووقت محدد مسبقًا، معتقدين أنهم هم وحدهم من سيبقون على قيد الحياة نتيجة أن الأرض سيتم تدميرها، ثم يأتي هذا الوقت المحدد ويمر دون وقوع أي شيء، وهذا بدوره يجعلهم في مواجهة مع التنافر المعرفي الحاد والشديد.
في هذه المرحلة يسبب الإدراك المخالف للمعتقدات ضغطًا نفسيًا عميقًا على الجماعة وتزيد معاناتهم النفسية.. وتبدأ مثل هذه الأسئلة تطرق عقولهم: هل كنا ضحية لخدعة؟ لقد تبرعنا بممتلكاتنا عبثًا؟
ولأن العقل البشري ينفر من التنافر ويحتاج أن يحافظ على صورته الإيجابية تجاه ذاته دائمًا، تبدأ الجماعة في خلق سلوكيات تحقق لهم التوازن وتوجههم نحو اليقين المعرفي.
وبالتالي، تبدأ هذه الجماعة في الدخول إلى مرحلة جديدة، تتمثل في تبرير الأساليب وتجاهل الحقائق وإنكار بعض المعلومات التي تتعارض مع معتقداتها.
ويختار معظم المنتسبين تصديق شيء يكون أقل تنافراً لحل الواقع الذي لا يستوفي توقعاتهم وذلك بتصديقهم أن الأجسام الغريبة قد أعطت الأرض فرصة ثانية، وأن مجموعتهم مخولة الآن لنشر الكلمة: بأن الإفساد في الأرض يجب أن يتوقف. فتزيد الطائفة بشكل كبير في التبشير والدعوة وتصنع معتقدات جديدة ترسخ معتقداتها السابقة وتجذرها بشكل عميق.
نظرية التنافر المعرفي لليون فستنغر:
نظرية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance Theory)
هي نظرية نفسية طورها عالم النفس الاجتماعي ليون فيستنجر في عام 1957. تقوم النظرية على فرضية أساسية مفادها أن الأفراد يسعون إلى تحقيق التناسق بين معتقداتهم وسلوكياتهم، وعندما يكون هناك تنافر بينهما، يشعرون بالقلق والإزعاج، مما يدفعهم إلى محاولة تقليل هذا التنافر.
بعد نشر النظرية، تطورت وتوسع نطاق تطبيقاتها في مجالات مثل علم النفس الاجتماعي، والتسويق، وعلوم الصحة. واستُخدمت لتفسير الظواهر السلوكية، بما في ذلك كيفية التعامل مع المعلومات المتناقضة، وكيفية التكيف مع الأزمات الشخصية، وأثر المعتقدات على اتخاذ القرارات.
ملخص رواية "سعادة الأسرة" لليو تولستوي:
هي رواية تتحدث عن التحديات النفسية التي تواجهها الأسرة والعوامل النفسية والخارجية التي تؤثر فيها، بطلتها فتاة روسية أرستقراطية تتزوج من رجل يكبرها بحوالي 23 عامًا. يجسد فيها تولستوي، الفجوات العقلية والتفاوت في النضج والتوتر والقلق والخوف والتجارب التي يخوضانها معًا للوصول إلى فهم العائلة ومعرفة قيمة وجوهر الحياة.
"التنافر المعرفي علاقة الشخصيات في الرواية"
تدرك الشخصية الرئيسية "ماشا" أن زواجها من رجل كبير في السن يخالف المنطق العقلي، يبلغ هذا الرجل 38 عامًا، يملك الكثير من الخبرات التي مكنته من بلوغ مرحلة الاستقرار الفكري.
ويدرك في المقابل "سيرجي" الفارق العمري بينهما والفجوة الفكرية والنضج المعرفي وحجم التجارب التي خاضها. كلاهما يدركان الاحتمالات المنطقية والنتائج التي ستترتب على هذا الزواج في المستقبل.
هذا الإدراك يخلق تنافرًا معرفيًا يتعارض مع معتقداتهما النفسية ورغباتهما، فماشا فتاة فقدت والدها وهي صغيرة، تعيش في الريف بعيدًا عن المغامرات والتجارب، تحيط بها الكآبة والخدم والفراغ الأخضر وهي بحاجة للإحساس بالشغف النفسي والمغامرات ورؤية الحياة خارج الأشجار التي أحاطت بها منذ طفولتها .وأما سيرجي، فقد أطربته بعد هذه السنوات من الوحدة أن تتعلق به فتاة صبية، نبيهة، فطنة ساحرة جدًا، موهوبة وصغيرة، فتاة بريئة، تنصاع إلى رغباته وتسعى لتحقيق توقعاته، يغرس في ذاتها البكر التوتر العاطفي والجنسي والفكري.
"تظهر في العلاقة علامات التنافر المعرفي"
عدم الانسجام:
• كبير في السن + صغيرة في السن
• يملك خبرة في الحياة+ تفتقر للخبرة
• يرغب في الاستقرار عند الزواج+ ترغب في الطيش والمغامرة العاطفية
• يخاف من فقد الفرصة معها+ تخاف من فقد الفرصة مع الحياة
بعد ظهور التنافر المعرفي، تتحول العلاقة بينهما إلى مرحلة تبرير السلوكيات
• يبدأ سيرجي في الغياب= يتخذ سلوكيات قاسية تجاه ماشا.
• أنا أكبر منها سن لن تقبل بي= يبدأ في التعامل معها بقسوة وتجاهل.
• ترغب في خوض تجارب مع شاب في عمرها= يكرر الحوار مع شقيقتها أنا فاتتني الفرصة في الزواج سأقضي باقي حياتي مع الاشغال الزواج لمن هم في عمر ماشا.
"ماشا"
• غيابه يعني أني لا أثير اهتمامه= الحب لا شأن له بالعمر
• أنا أراه مصدر للسعادة وناضج= لماذا لا يرى مشاعري
بعد الزواج تبدأ الحياة في الانحياز نحو السعادة، الشبق العاطفي والتجارب والمتعة، تنتقل ماشا للقصر الآخر مع زوجا، تحت نظام صارم. تمارس تمردها مع زوجها على وقت النوم، وقت تناول الشاي، التسلل منتصف الليل إلى المطبخ تحت التسلسل الهرمي للقصر.
حيث تدخل هذه العلاقة في تحدي أكبر وفرصة أضخم للتنافر المعرفي. يدرك سيرجي أن ارتباطاته ستعود من جديد ومغامراته هذه ستفقد مع السنوات بريقها، وتدرك ماشا أن شعلة الحب هذه ستحطمها الأيام وتخبو.
وتبدأ سلوكيات جديدة تنكر واقع الحال وتظهر خلافات تبرر هذا الإنكار
"ماشا"
• لماذا لا يشاركني الحديث عن اعماله= يظنني جاهلة وتافهة
• لماذا لا يتحدث على الوجبة= هل أنا مجرد دمية للفرح والسعادة
"سيرجي"
يجب علينا المحافظة على شعلة الحب= علينا السفر
لا أرغب في تعاستها= لن أفرض عليها رأيي
وعندما تخرج علاقتهما من دائرة البدايات الحارة، وتتأثر بالعوامل الخارجية، تدرك ماشا مقدار جاذبيتها وجمالها ورغبتها في الحضور الاجتماعي و تنتشي بالنشوة في أعين المجتمع عامة والرجال خاصة، ورغبتها في عيش التجارب والتعرف على العالم وذاتها وقوة سحر أنوثتها ومواهبها.
يتحول سيرجي من سلم تعبر به من الكآبة والملل للبهجة والفرص، ورجل تخاف من فقدان اهتمامه وحبه، إلى رجل رجعي يحاول بغيرته وأنانينه أن يقف بينها وبين تجاربها وسعادتها.
وتتحول ماشا من جائزة قيّمة، إلى فتاة عنيدة صغيرة عليها أن تخوض تجاربها وتحقق كل رغباتها، ويجب ألا يقف في طريقها.
الحقيقة، كلاهما يدركان حقيقة أن ماشا ترغب في استعراض أنوثتها والتلذذ بقوة إغوائها، وأن سيرجي يدرك خوفه وقلقه من فقدانها لو وقف في وجهها.
يدرك سيرجي أن ماشا ستعود مهما حلقت بعيدًا عن قصره، فهي امرأة في مجتمع أوروبي قديم لا تستطيع الاستقلال المادي، حياتها مرهونة بأقرب رجل في العائلة يدير أملاكها وأموالها، ويوفر لها كل احتياجاتها، وماشا بعيدة كل البعد عنه غارقة في التمتع بنظرات أكبر طبقات المجتمع نفوذًا وقوة، ومع هذا التنافر المعرفي والتوتر العقلي والنفسي يلجأ سيرجي إلى فكرة -إن ماشا عليها أن تخوض تجاربها وألا تظن بأنه يعرقل حياتها.
تدرك ماشا بأنها تثير غيرة زوجها عندما تسمح للرجال بالتودد إليها وإنها تخون حبه وثقته فيها، وتدرك أن سلوكياتها وغيابها عن زوجها وأولادها غير عادل، ومع هذا التنافر المعرفي والضغط النفسي المؤلم تلجأ ماشا إلى التمسك بفكرة أن سيرجي رجعي، ويرغب في التحكم فيها فقط.
ينتهي الأمر بماشا وسيرجي بالوصول إلى مفترق حاد في علاقتهما، ينغمس كل واحد فيهما في الإنكار والتبرير والتجاهل. تمر السنوات سارقة منهما الوقت والحب والعاطفة والدفء، حتى تصل ماشا أخيرًا إلى الوعي الحقيقي بمفهوم العائلة بعد تجارب ومواقف أثرت على حياتها وحياة أسرتها ونظرتها إلى ذاتها.
إذن، العلاقات العميقة مثل علاقات الأسرة ببعضها البعض تمر بالكثير من المطبات النفسية ولكنها رغم وعورة وشدة هذه المطبات، تظل أكثر العلاقات تماسكًا، ربما لأن الفرد فيها لا يرغب حقًا في مواجهة حقيقة أفراد عائلته، ومثله تمامًا مثل أعضاء تلك الطائفة الدينية، يرفض تمامًا الألم النفسي الذي يسببه التنافر المعرفي بين معتقداته في مفهوم العائلة، وبين ما يشرعه الدين ويؤكد عليه العرف وينص القانون عليه ويلزم به الواقع وبين الحقائق التي يراها طيلة حياته، تناقض كل ما قُدم من كلام.
فيلجأ الفرد في أسرته إلى التوازن المعرفي، من خلال إنكار الحقائق، تجاهلها، أو تبريرها. غير أن الفرد في عائلته النووية يرتبط بحقائق لا انفكاك منها أيضًا واحتياجات لا مفر منها، كالحاجة للانتماء، والسعي للقبول والارتباط مع جماعة وتصنيفه ضمن مجموعة، وبالتالي، يعيش حالة تنافر معرفي أشد داخل الأسرة.
يعيش الفرد وسط عائلته، في تناقض أبدي، وصراعات عقلية، بين معتقداته العقلية وسلوكياته وقناعاته، وعلى أثر هذا الخلل يحاول الفرد في أسرته السعي الدؤوب للتوازن والتخلص من التنافر، من خلال تغيير قناعاته، تبريرها، إنكارها أو تجاهلها.
لكن تولستوي يقدم نهاية لنموذج قادر على تحقيق التوازن، ليس من خلال التبرير، التجاهل والإنكار، بل من خلال الاختيار، حرية الاختيار التي تركها سرجي لماشا أخدت بها إلى الوعي الذي حقق لها في النهاية توازنًا منطقيًا وحقيقيًا. وبالتالي، فإن وجود الاختيار عند الأفراد والجماعة يحقق لهم الوصول إلى التوازن الحقيقي ويجنبهم التنافر المعرفي، وهذا يتضمن أن يختار الناس معتقداتهم الدينية والثقافية، تفاصيل حياتهم، من اختيار التخصص الأكاديمي، شريك الحياة، المهنة، العلاقات الاجتماعية والأسرية حتى، نظام الحياة إلى آخره، تجنبًا لأي سلوكيات غير آمنة ناتجة عن محاولة تخفيف الالتهاب العقلي والألم النفسي الناجم عن تنافر بين الواقع والحقيقة وما تفرضه المعتقدات غير الآمنة وغير المستقيمة.

تعليقات
إرسال تعليق