ملاحظة لا يوجد حرق للفلم
بينما تحاول الدول الشرق أوسطية تلميع صورتها الحضارية من خلال التنافس مع الدول الأوربية ومقارعتها في سوق الترفيه والفن، يخرج أحد كوابيس ماضيها ليوقد لمن تحللت عظامهم تحت نفطها، شرارة إنسانية صريحة تضيء حكايات كل عامل ذاق ويلات العنصرية وتعرض للظلم والعبودية الحديثة.
ففيلم حياة الماعز (The Goat Life)، كسرة أنف صريحة للتعالي العربي على العمالة الوافدة وثأر إبداعي تجاه العنصرية والقسوة والطبقية في دول الخليج.
لقد أعاد هذا الفيلم لي ذكريات العمال الذين رأيتهم يتعرضون للضرب والعقاب الجسدي والإهانات الصريحة والواضحة أمام عيني، وحتى اليوم أرى النظرة الفوقية لهؤلاء الذين هجرّتهم الحياة عن الكرامة والدفء الأسري، حتى إذا رغب أحدهم في التعبير عن نفسه يقمع بالصراخ (الله يا الدنيا هندي ويرفع صوته بعد).
وهذا بعد أن أجبرتهم المدنية على كف اليد وهذبت من وحشيتهم وصلافتهم الحضارة.
ما يثير الألم والحزن في الروح، هو وهم غياب العنصرية تجاه هؤلاء العمال. وباء وداء تعيشه الذاكرة الخليجية ككل، فلو رغب أحدهم في التقليل من شأن أحد قال له: أنت بيه ما تفهم؟!(أخ بالهندي)، لو أنت بنغالي؟.
صراخ ولغة آمرة في المحلات التجارية على العمالة الوافدة وسخرية واضحة عندما يرتقي أحدهم إلى سلم الحياة الطبيعية، فيطرق سمعك كلمة "واو كشخة بعد!".
ولكن هذا لا يعني في المقابل التعميم العام على العرب في هذه الدول الخليجية، إذ نرى صحوة وإن كانت بطيئة، صحوة إنسانية حقيقية في هذا الجيل تجاه نظائرهم من البشر، وتعامل إنساني حقيقي مع الوافدين، وعلاقات وصداقات وتراحم ومشاركة تراث في اللغة والمطبخ بين الدول الآسيوية والدول الخليجية.
القصة نجيب شخصية حقيقية نقل تجربة الخطف والعبودية في رواية شهيرة تم العمل عليها بدقة وتأنٍ واحترافية لتقديمها في السينما، واستطاعت هذه التجربة في النقل أن تجعلنا نعيش مع نجيب كل مرارة وضياع وألم. تتحدث قصة الفلم عن العامل نجيب الطامح في تحسين حياته. اصلاح سقف مطبخه من تسرب الأمطار، أو بناء منزلًا صغيرًا، أو اسعاد زوجته المحبة التي طربت بفخر كونها ستصبح قريبا زوجة عامل في الشرق الأوسط. يرهن نجيب المنزل ويبيع مصاغ أهله ويتجهز إلى السفر نحو المملكة العربية السعودية، وعند وصوله للمطار مع زميل له يوهمه رجل بدوي بأنه كفيله، فيختطفه ويجبره على العمل في الصحراء سنوات، يغيب فيها نجيب عن معاني الإنسانية تمامًا، حتى يفقد الإحساس بنفسه، وكيانه، وسط الرمال، والحيوانات.
هذه التجربة المريرة، وغياب القدرة على التفاهم بسبب حاجز اللغة، وتحول الصورة من أمل في الحياة إلى جحيم يسعى للخروج منه، ومرارة فقدان كل شيء إنساني حتى القدرة على الاستحمام، والعيش في تجارب جردته من كل رغبة في الحياة صنعت هذه الملحمة العظيمة وكأنها تلبية نداء ليس فقط للعامل نجيب وحده، بل إلى كل إنسان داسته أقدام الطبقية والعنصرية في العالم.
فيلم عظيم، استطاع طاقم العمل فيه على إيصال الإحساس دون التشديد على الفكرة، فبالإحساس تصل إلى عقل المتلقي كل المعاني.
لقد تألمت، وبكيت، وصرخت بشريتي، ورأيت الوجه البشع والشيطاني من أبناء قوميتي، الوجه التي كنت اتجاهله كلما رأيت امرأة تصرخ على عامل تأخر عليها في مركز التسوق، أو رجل يجلس في سيارة فارهة يضرب بوق سيارته بعنف على عامل بقالة.
وبعيدًا عن التعالي الخليجي وسيطرة وهم المؤامرة التي تلحظها بقوة في بعض مراجعات الفيلم، لن تجدهم يسألون من هو نجيب وأين هو وكيف حاله الآن؟! وهل عوقب المجرم الذي اختطفه؟!، بل ستجد هجومًا على العمل واتهامًا مباشرًا للصناعة الفنية بأنها لا تنقل تجربة إنسان، بل هي من وجهة نظرهم مؤامرة بشعة تهدف إلى تشويه ماضي الدولة التي ماتت فيها آمال نجيب الإنسان.
لكن كذلك في المقابل ستجد أصواتًا خليجية إنسانية تفهمت هذه التجربة وحاولت أن تستوعبها وتروج للإنسانية بأنها صفة الإنسان العربي والخليجي المتحضر الآن، وأن تجربة نجيب هي فقط تنقل جانبًا من الدول الخليجية كأي دولة في العالم فيها جانب يقطنه الشر، وجانب يحكمه الخير، فالفيلم كذلك ينقل لنا صورة رجل نبيل ساهم في حماية نجيب وأخذه إلى طريق الأمان وأعاد إليه جزءًا من إنسانيته التي سلبتها منه الهمجية والصحراء.

تعليقات
إرسال تعليق