كان يا مكان في قديم الزمان، في واحد اسمه أحمد الكيشر( الاستعارات الإدراكية في المخيال الشعبي والحكاية البحرينية)
كان يا مكان في قديم الزمان، في واحد اسمه أحمد الكيشر( الاستعارات الإدراكية في المخيال الشعبي والحكاية البحرينية)
تعد حكاية "أحمد الكيشر" نموذجًا حيًا يبرز تعقيدات النفس البشرية في التعامل مع التحديات الاجتماعية، وتكشف عن كيفية تفاعل الأشخاص مع محيطهم وظروفهم الثقافية. في هذه الحكاية، سنرى كيف تؤدي الظروف الاجتماعية والخرافات إلى تجسيد ممارسات تعزز الصراع الداخلي والخارجي. يكشف النص عن مجموعة من الرموز الثقافية والمعتقدات الشعبية التي تهيمن على بيئة القرية الريفية التقليدية.
نص الحكاية الشعبية:
(أحمد الكيشر)
كان يا مكان في قديم الزمان، في واحد شيطان مجنن مرة أبوه ومغربلنها اسمه أحمد الكيشر،
ومرة من المرات من كثر ما ضاقت أبها الدنيا من مصايبه وشطانته راحت المسجد الي تتحقق فيه النذور تدعي وتنذر الله يخلصها منه.
وتقول: ندر وندور يا مسجد المعمور تعمي وتكسر وتموت أحمد الكيشر.
وكان أحمد الكيشر منخش داخل المسجد ويسمعها.
مرة مرتين لين ما يوم من الأيام راح قبلها ورد أنخش، ويوم قامت تدعي قام وتكلم وغير صوته وقال: تبين أحمدوه يصيده شي؟
فرحت زوجة الأب أن أخيرا جتها الاستجابة، وردت عليه: أي أي والي تبيه باسويه
قام رد عليها: وبتسوين كل شي ينطلب منش؟
ردت بسرعة كل شي بس تفكني وتخلصني منه.
قال ليها: كل يوم لمدة سبع ليالي، الريوق تريقينه عصيدة عليها دهن خالدي، والغدى تذبحين ليه دياجة والعشى بلاليط وتفوحين ليه سبع بيضات.
وليلة سابع بيموت، بس أول بيعمي وبيتكسر.
قالت ليه: ما طلبت شي أهم شي أني أبيه يموت.
راحت زوجة الأب وذبحت لدياجه وطبختها وعيطت عليه: حبيبي أحمد تعال تغدى
قال ليها ويش صاير اليوم.
قالت ليه: وبعد كل يوم ليك ريوق وغدى وعشى،
ومرت ثلاثة أيام وأحمد سوى روحه عيونه تحكه
قال ليها: مرة أبويي عيوني تحكني مانا قادر منها،
قالت ليه: ماعليه هذا ألا چذي غبار داخل فيها.
ويوم رابع سوى روحه صار أعمى ويتوچه على عصاية وقام يروح مطبخها ويكسر أبها مواعينها، ويقول ليها سامحيني مرة أبويي كسرت صحونش ووصخت بيتش.
تقول ليه ماعليه يا ولدي.
وهي تقول في خاطرها: ماعليه أهم شي افتك منه لو كل مواعيني تتكسر.
وتالي سوى روحه متكسر ويسوي حاجته تحته وهي تنظفها وتحمله وتسبحه وتأكله.
لين مرت سبع ليالي وهي تحارسه يموت، ودجاجها كله ذبحته، وخلص طحينها وبيضها وتكسرت مواعينها وطاحت عافيتها من خدمته.
جى ليها ليلة سابع وبگگ عويناته ليها وهو يناقز ويقول: قصينا عليها ورحمنا والديها.
قالت له غربلك الله يا أحمد الكيشع خسرتني كل حلي وحلالي وطيحت عافيتي.
فضاء الحكاية:
الشخصيات الرئيسة:
أحمد الكيشر:
شخصية مشاكسة ذكية، لديها القدرة على استغلال نقاط ضعف الآخرين لتحقيق مكاسب شخصية، حتى لو عنى ذلك أن تتخطى المحظورات الثقافية والاجتماعية. شخصية مناهضة للنظام العام ومعتادة على مخالفة المعايير، مما يكشف عن نزعة سيكولوجية تعتمد على الحيلة والمكر لتسيير شؤونها. ومثال على ذلك تقليده لصوت المانح وصوت المعطي داخل المسجد. تتخطى شخصيته الحدود للوصول إلى غاياتها، ولا تفكر في النتائج التي قد تؤثر على حياة الآخرين.
زوجة الأب:
تبدو شخصية ضعيفة قليلة الحيلة، تعكس نمط المرأة التقليدية في مجتمع يؤمن بالخرافات والماورائيات كحل أخير لمشكلاتها، في ظل انعدام الخيارات العقلانية. يتجلى في سلوكها اعتقاد راسخ بالنذور والدعوات، وهو ما يجعلها ضحية سهلة للاستغلال. وقد تكون شخصية بخيلة وبغيضة أيضًا.
الأحداث: تبدأ الأحداث بسياق سردي خطي ينطلق من شعور زوجة الأب بالضجر من أفعال أحمد الشيطانية. تتطور الأحداث حتى تصل إلى المواجهة بين الطرفين من خلال استغلال الحيل، لتنتهي بخسارة زوجة الأب لممتلكاتها وثقتها بالمعتقدات السائدة في محيطها.
الزمان والمكان:
الزمان: يظل غير محدد، مما يضفي عليه بعدًا أسطوريًا يعكس استمرارية هذا النمط من القصص في المجتمعات التقليدية.
المكان: يتركز في "المنزل" و"المسجد" حيث تبدأ، وتتصاعد الأحداث، ويشكل المسجد رمزًا للإيمان العميق بالماورائيات، إذ تتوجه إليه بطلة الحكاية لطلب العون.
الخلفية الثقافية والتاريخية للحكاية، وكيف يعكس النص المعتقدات والرموز الشائعة في الثقافة التي تنتج فيها:
تُفصح الحكاية عن بيئة شعبية متدينة تؤمن بالقوى الخارقة والنذور، ويظهر التماسك الثقافي بين النساء عبر تبني مفاهيم الخرافة والحلول غير العقلانية.
الرموز الدينية: يمثل المسجد رمزًا للإيمان العميق بالمعجزات والنذور، مما يشير إلى العقل الجمعي للمجتمع الذي يُعلّق الآمال على تدخلات غيبية في حياة البشر. هذا النص كما هو معلوم قد خرج من رحم بيئة تؤمن بالفال والنذور للأموات، والإيمان بالجن وزيارة الفوالة والقبور وكتابة الأحجبة والطبوب وفقس البيض لسكان الأرض السفلى. وفي الغالب المرأة في هذه الثقافة لا تمتلك دورًا اختياريًا أو سلطة فردانية، وحين تسنح الفرصة للملكية، تنحصر هذه الملكية بين مؤن المنزل أو الدواجن والحيوانات المستأنسة. تؤمن هذه الثقافة بالأدوار الجامدة بين الجنسين والسلطة الذكورية على النساء، وتتوارث النساء هذا التسلسل الجندري والهرمي وتسلم به. يسيطر التعليم الديني في هذه البيئة، وتغيب باقي صور العلوم الوضعية إلا نادرًا، وينحصر دور المرأة في هذه الثقافة في الزواج غير الطوعي؛ مما يعكس توتراً محتملاً في العلاقات الاجتماعية بين أولاد الزوج وزوجته الجديدة.
تحليل الاستعارات الإدراكية:
تظهر في الحكاية استعارة الإدراك الموسوعي "النذر كوسيلة لتحقيق الأماني"، حيث تلجأ زوجة الأب إلى هذه الوسيلة كحل أخير، على الرغم من عدم وجود أدلة منطقية لدعمها. يُقدَّم النذر كآلية هروب من الواقع المعقد، مما يعزز منطقية النص الشعبي القائم على التفكير الغيبي.
المخططات الذهنية:
المخططات الذهنية في هذه الحكاية الشعبية قد لا تبدو ثابتة ومحددة في مخطط ثابت، فعند سماعنا للحكاية نرى المخطط الأول: فيه أحمد الكيشر البطل شخصية واسعة الحيلة شريرة، ومخطط عكسي تدافع فيه الشخصية عن نفسها، وتتجنب عنف زوجة الأب وتجويعها واحتكارها للطعام وحرمانها منه.
والمخطط الثاني: تكون فيه زوجة الأب شخصية ضعيفة قليلة الحيلة، تتمسك بالأفكار الدوغمائية، وتتوكأ عليها فيدفعها إيمانها وضعفها إلى التمسك بالأوهام، حتى تتحول إلى ضحية للخرافة والاضطهاد. ومخطط عكسي: زوجة الأب فيه عبارة عن شخصية تقليدية تسعى للتخلص من أولاد زوجها بطرق ماكرة.
الإطار الإدراكي:
يؤطر النص الحكائي الاستعارات الإدراكية العقلية الخفية في الحكاية، ويوجهها نحو تفسيرات تصورية تتناسب مع وعي كل متلقٍ. كذلك يقدم النص في صورة فكاهية زوجة الأب التي عُرفت في العقل الموسوعي الجمعي والذاكرة الثقافية على أنها مثال للشر والتعسف والقمع، بصورة مغايرة. هذه الصورة قد تمنح المتلقي غاية نفسية قوامها النصر والتغلب بالحيلة على الشر المألوف والمتوقع.تمثل في هذه الحكاية شخصية أحمد الكيشر صورة مختلفة عن المعهود أيضًا، ففي التخييل السردي الشعبي عادةً ما يشغل ابن الزوج وظيفة سردية يكون فيها المضطهد المستضعف وزوجة والده هي العامل المعارض في حياته، لكننا هنا نجد ابن الزوج شخصية عكسية عن المعتاد فهو العامل المعارض، وكأن الحكاية الشعبية تقدم ما يجب أن يكون عليه الواقع، وتمنح المتلقي مادة للإرشاد والتفاؤل والتوجيه، كي يتعلم منها سامع الحكاية طرقًا للتغلب على قهر الواقع باستخدام العقل ومعرفة إدارة الأمور.
وأما زوجة الأب وسلوكها: فتنتزع من نطاقها المعتاد كشخصية متعسفة إلى رمزية مراوغة الهدف منها تقديم فكرة، قد يكون من الصعب التصريح بها داخل المجتمعات المتدينة والمؤمنة بالخرافة، وهي - لا يوجد خير يأتي من خلف اليقين بالخرافات- ونظرا لمكانة المعتقدات الدينية وتمسك المجتمعات التي ولدت فيها مثل هذه الحكاية بثقافة النذر والمراد، تتوارى في هذه الحكاية دلالات إدراكية تعبر عن فشل الماورائيات في تحقيق المراد وحل المعضلات والتغلب على العقبات، وتقدم فكرة مفادها أن العقل وحده قادر على تحقيق الفوز والنجاح وتخطي الصعوبات.
كيف تفاعل المتلقون مع الحكاية لحظة سردها؟
تفاعل المتلقون مع الحكاية الشعبية "أحمد الكيشر" على نحو متفاوت وبناءً على خلفياتهم الثقافية والمعرفية. يمكن تقسيم ردود أفعال المتلقين إلى أنماط مختلفة، حيث يؤثر السياق الاجتماعي والعقدي في تشكيل ردود أفعالهم تجاه الحكاية. وتلقاها كل متلقٍ بطريقة تعبر عن فهمه وإدراكه للرمزيات والاستعارات.
أثر الاسترجاع الإدراكي عند المتلقين للحكاية عند سماعها:
يرى المتلقي الأول: أن التمسك بالأوهام لتحقيق الرغبات، تعبير عن عجز الإنسان وضعفه أمام القوى التي لا يستطيع السيطرة عليها.
ويرى المتلقي الثاني: أن الدجل والخرافات واستغلال الناس باسم الدين عملية مجتررة في المجتمعات، وما زالت قائمة حتى اليوم، وأن تصديقها من عوامل التخلف والنكوص العقلي.
وأما المتلقي الثالث: فيرى أن زوجة الأب في محاولة مستمرة للبحث عن طريقة تتخلص فيها من أحمد الكيشر، حتى لو كانت هذه الطريقة قاتمة وتعارض مبدأ الإيمان والتدين، وتدل أساليبها في حل مشكلاتها مع أحمد على عقلية غير حضارية بالمرة.
النماذج الذهنية في عقلية متلقي الحكاية:
المتلقي الأول: يرى المتلقي الأول الحكاية على أن إيمان شخصية زوجة الأب بالخرافات هو السبب الأول في ضعفها نظرًا لتمسكها بفكرة الهرمية الجندرية والاعتماد على الأسطورة الدينية، وهذا الضعف والتمسك يفتح المجال لشخصيات غير سوية مثل أحمد الكيشر للسيطرة عليها، نظرًا إلى الحماية النفسية والاجتماعية والثقافية التي تمنحها طبيعة المجتمع لمثل أحمد الكيشر بناءً على الجنس والترتيب الاجتماعي، كما يرى في المقابل، أن شخصية زوجة الأب الهلامية قد تكون أيضًا شخصية ظالمة ومسيطرة تمنع عن أحمد الطعام الطيب؛ مما دفعه إلى استخدام الحيل.
المتلقي الثاني: يرى هذا المتلقي أن الشخصيتين في الأصل كلتاهما شريرتان، وكلتاهما تخلوان من العاطفة؛ مما يدفعهما لاستعمال كل الأساليب المتاحة للانتقام والتخلص من بعضهما، وهذا الشعور بالبغض يدفع بالشخصيتين إلى اتخاذ طرق شريرة قائمة على استغلال الفرص والأدوار المتاحة لهما في هذا الفضاء الحكائي.
المتلقي الثالث: يعتقد هذا المتلقي أن شخصية زوجة الأب تمتلك أفكارًا سطحية وجهلًا مبطنًا قد يكون السبب الرئيسي في قدرة أحمد على استغلالها، بينما يرى أحمد الكيشر شخصية قيادية تمثل نموذج الشخصيات الرأسمالية حول العالم.
المتلقي الرابع: يرى هذا المتلقي أن شر أحمد الكيشر نتيجة طبيعية ناجمة عن تفتيشه الدائم عن الاهتمام والعاطفة التي حُرم منها، وتعد محاولات أحمد الكيشر نتيجة حتمية للفت نظر زوجة أبيه بدافع الحرمان العاطفي وإمساكها عن منحه الدفء والحب؛ مما ولّد في داخله رغبة في الانتقام. ويستنتج هذا المتلقي تصورًا شائعًا بأن كل زوجة أب بالضرورة تكون شريرة كما جرت العادة.لكنهم يجمعون في نهاية المطاف على إطار إدراكي عام يتضمن مفهوم (الخرافة مقابل العقل)، ويرون الشخصيات في الحكاية استعارة من البيئة المحيطة بهم وتعبيرًا عنها.
تأثير الرموز الثقافية المشتركة في الحكاية الشعبية:
تعد فكرة النذر والإيمان بالماورائيات مشتركًا ثقافيًا عالميًا يظهر في المجتمعات التقليدية، حيث يُلجأ إلى الوسائل الغيبية لتحقيق الأماني. لكن كل حكاية شعبية تحمل خصوصية ذاتية محلية تتجلى فيها التصورات الإدراكية والاستعارات التصورية التي تعبر عن نظرتها وفهمها وإدراكها للواقع والتجارب والقضايا من حولها.
استنتاج ختامي:
قدمت الحكاية الشعبية (أحمد الكيشر) صورًا إدراكية متكاملة تعبر عن خفايا الذات البشرية وتصوغ لنا طريقة تفاعلها مع واقعها وكيفية مواجهتها للحياة والعراقيل فيها، والطرق العديدة والمختلفة التي قد تلجأ إليها الشخصيات في المجتمعات الشعبية لحل مشاكلها.

مختصر جداً جداً لليمين و اليسار
ردحذف