التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثنائيات الوجودية في فيلم ورواية بيدرو بارامو لخوان رولفو.


الثنائيات الوجودية في فيلم ورواية بيدرو بارامو لخوان رولفو.


     وقد يظن بما أقوله التفخيم والتضخيم، لكن السينما هذه النوبة تغلبت على النص الأدبي في تقييد المتلقي وحبسه داخل الواقعية السحرية، وحققت ما لم تحققه النصوص الأدبية التي لطالما ملكت السلطة الذهبية في التوفيق الفني، أي أنها تمتلك الحرية غير المقيدة في تحقيق ما لا تستطيع السينما تحقيقه بعد.

المعروف أن من يقرأ لغابرييل ماركيز، يعرف جيدًا مذاق النصوص الفريدة من نوعها، تلك الواقعية السحرية التي يشق لأجلها عالمًا بين الواقع والخيال. عالم بين اليقظة والحلم، لا تصدقه حتى اليقين ولا تكذبه حتى الشك. وحين تقرأ نصًا من نصوصه تلج من باب لا تفتحه النصوص الأدبية ولا المدارس الفنية عادةً، باب يأخذك إلى عالم يوازي عالمك في الصدق ويوازي كل العوالم التي لا تؤمن بها حتى يجعلك تتمسك باليقين بكونك ربما زرتها في حياة أخرى وكأن نصوصه تفتح كل مسالك ذاكرتك البشرية.

ولكن ماذا لو قرأت لخوان رولفو، الأب الروحي الذي تأثر بفنه وسحره وأدبه غابرييل؟ هذا يعني أنك لن تعود أبدًا من العوالم السحرية، ستظل عائمًا في ضباب سحره وأنت مقيد في واقعك.

     في القرن العشرين، قدم خوان في الأدب اللاتيني صيغة جديدة للعالم الذي نألفه: الموت والعزلة والواقع. كل من هذه المعاني كانت في أدبه تملك جانبين: الحياة تتداخل مع الموت والولادة مع الفناء، النمو مع الضمور والإقناع مع الجفاف، الحلم مع الواقع والنوم مع اليقظة.
وفي روايته "بيدرو بارامو" -والتي حولتها نتفلكس إلى فيلم هذا العام- لن تجد أحداثًا وصورًا فردية مطلقًا، فالقرية التي تدور فيها الأحداث تحمل صورتين: 

الأولى: قرية تحيطها الجنائن المبهجة المخضرة، ببهجتها واحتفالاتها وأحلام الساكنين فيها وطموحاتهم وإيمانهم، والثانية: يعود إليها الذين ماتوا من الجحيم لأخذ بطانياتهم من أجل التدفئة، حارة متصحرة يسكنها الصمت والخذلان والانكسار والخطيئة.
وحين يخطط خوان لجرفك معه إلى الجحيم فإنه يفعل، وعندما يرغب في رفعك إلى الفردوس يستطيع كذلك، فتقضي مدة مكوثك في عالمه بين منفى الجحيم وسكينة الفردوس.
المرأة هي الظهارة والخطيئة، والطفل هو الولادة والفناء، والرجل هو القوة والضعف، ورجل الدين النجاة والهلاك، والزمان هو البهجة والهجران، والمكان هو الإيناع والتصحر، والحياة هي الموت، والحلم هو الواقع.
أدبه قادر على تحقيق نظرية الأكوان المتعددة، حتى تضيع في سراب خياله.

التجربة السينمائية: 

     استطاع مخرج الفيلم تحقيق الرؤية السحرية للعمل الأدبي في توظيف اللغة السردية وتحويلها إلى عالم مرئي يجسد اللغة والخيال.
ففي الفيلم المقتبس عن بيدرو بارامو، تم استخدام التصوير السينمائي بذكاء لخلق تباين بين عالمي الأحياء والموتى، من خلال إضاءة وألوان تعكس الفروق بين الحياة والموت. الصوت والمؤثرات البصرية كذلك لعبت دورًا كبيرًا في تمثيل الواقعية السحرية، حيث تم دمج أصوات الطبيعة مع أصوات شبحية لإضفاء جو من الضبابية بين الواقع والحلم. كما أن أداء الممثلين كان عبقريًا في تجسيد الشخصيات المعقدة التي تعيش بين الحياة والموت، مع التركيز على الإيقاع البطيء أحيانًا لتمكين المشاهد من الغرق في عمق الرمزية والعوالم المتشابكة التي يقدمها الفيلم، مما يعزز من تجربته السحرية ويقربه إلى جوهر الرواية.
وكذلك نجد أن المخرج استخدم تقنيات سينمائية بصرية مثل تباين الألوان والإضاءة لتصوير الثنائيات الوجودية التي يعرضها خوان رولفو في روايته. فبينما تم تصوير عالم الأحياء بألوان دافئة تعكس الطموح والأمل، استخدم المخرج الألوان الباردة لتجسيد عالم الموتى والفناء. هذا التباين البصري يعكس تداخل الحياة والموت في النص الأدبي، مما يعزز من الرمزية الفلسفية للعمل ويقربه من مفهوم "الواقعية السحرية" التي يجسدها رولفو في روايته.

في الختام:
      أنصح من لم يألف التشتت الذهني في الأدبيات السحرية الواقعية بمشاهدة الفيلم قبل مطالعة الرواية، فالكاتب والمخرج نجحا نجاحًا مبهرًا في نقل عالم خوان من النص إلى الشاشة ومن الكلمات إلى التجسيد.
هذا الفيلم قادر على فتح أنيابه ونهش شيء من روحك، لن تغادره سليمًا ولن تنساه بسهولة مطلقًا.
تجربة فريدة جدًا وصنف راقٍ من الأدب. فقد جاء الوقت وحضر الزمن الذي عليك فيه التعرف على عالم خوان رولفو.

مشاهدة وقراءة طيبة.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكتاب الذي لم نقرأه كما كُتب: كيف حُرّف (الخالدون المئة) في ترجمته العربية

     كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عن كتاب (الخالدون المئة) لمايكل هارت أثناء دراستي الجامعية، في محاضرةٍ لأستاذٍ كان على الأغلب يذمّ المستشرقين، لا لاستشراقهم وحسب؛ بل للأفكار المخالفة التي انطلقوا منها، ويخصّ بالذمّ من نقل عنهم واتبعهم دون مساءلة. غير أنّي وجدتُ في ذكره لهذا الكتاب تحديدًا تلطّفًا غير معهود، بل مسحةً من حنوٍّ وتمجيد. وقد راعني الأمر؛ فقد ذكر كتابًا لكاتبٍ غربيٍّ فلم يذمّه، بل توقّف عنده برِقّة، وذكر فيه ما رآه جديرًا بالذكر. قال يومها: إن هذا الكتاب قد ترجمه أنيس منصور عن مايكل هارت، وقد اختصّ فيه هارت النبيَّ محمدًا بالمرتبة الأولى، واعتبره أفضل وأعظم من ترك أثرًا في تاريخ العالم. عدتُ آنذاك إلى ترجمة أنيس منصور، فوجدتُ فيها ما أشار إليه أستاذ المحاضرة من نَعْتٍ طيّبٍ وتمجيدٍ واضحٍ لشخصية النبي محمد. توقّفتُ عند هذا النصّ المترجَم، ولم يخطر ببالي أن أفتّش عن النسخة الأصلية للكتاب. وبعد سنواتٍ عدّة، حين أدركتُ عبر التعلّم والمطالعة والقراءة أن المترجم ليس دائمًا أمينًا في نقله، إذ قد تحكمه عقيدةٌ يحملها، أو فكرةٌ يُبشّر بها، أو يقع في السهو، أو يخو...

فلم (بعد العاصفة) لمريم البحراني: الحرب وآثارها النفسية في ذاكرة الإنسان.

  هل يمكن أن تُولد العدالة من رفع السلاح؟ أم أن الحرب، مهما تزيّنت بشعارات الإصلاح، تظل فعلًا ضد الإنسان؟ في الحرب لا توجد خديعة، بل خداع منظم تحت عرش السلطة وعباءة العقيدة ولواء الولاء، تُباركها صحف تقدّس لتُدنّس بها الإنسانية. باسم كل كلمة مقدسة تُستدعى فيها الحرب، تأتي رافعة بيدها إعلان الإصلاح والخلاص، كأنها تُبشّر بعهدٍ جديد، بينما لا تورث سوى الرماد. فهل عرفنا حربًا أصلحت؟ حربًا لم تُفسد زرعًا ولا بنيانًا، ولم تُسفك دماء الأبرياء، ولم تتحطم فيها الأحلام وتُعطب النفوس؟ أذكر لي حربًا واحدة تُؤمن بأنها صالحة. مابعد العاصفة : هل تهدأ العاصفة حقًا؟ هل الحرب تنتهي فعلًا، أم أنها تبدأ حين ينجو الإنسان من رمادها ليكتشف أنه أسير حتى آخر رمق؟ من ينجو من الحرب؟، أهو ناجٍ أم حاملٌ لندوبها في ذاكرته؟ هل يترك العنف للحلم والأمل موضعًا في نفس شهدت الخراب، أم أن العاصفة تستوطن الذاكرة، فتصير الحرب مقيمة في أعماق الهاربين منها؟. فلم بعد العاصفة لمريم البحراني الفلم الذي يتناول آثار الحرب لا يعرض معركة عسكرية، بل صراعًا وجوديًا بين الإنسان وذاكرته، بين الرغبة في الحياة واستبداد الذاكرة العن...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...