التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لعبة الحبار: هل نحن اللاعبون أم صناع اللعبة؟


    


 أظن أننا لا نختلف عن المشاركين والصناع في اللعبة.
نحن أيضًا نملك دافعًا لا أخلاقيًا ورغبة كبيرة في أن يستمر الآخرون في معاناتهم من أجل تحقيق النصر الذي نؤازره.
بمجرد أن تبدأ اللعبة، يبدأ عقلنا في تقييم اللاعبين وتصنيفهم حسب ميولنا الأخلاقية.

هل انتبهت إلى رغبتك  الأولى الشديدة في موت اللاعب مغني الراب؟ هل تتذكر شعورك العميق بالراحة النفسية عندما مات موتة شنيعة، مطعونًا في الحمام بشوكة طعام؟.
أو رغبتنا الدفينة في أن يرتقي بطل المسلسل ويتغلب على صناع اللعبة بأي ثمن، حتى لو ماتت المرأة الحامل؟ ولماذا تأثرنا بموت صديق البطل ولم نكترث لعشرات الأرواح التي أُزهقت؟ ولماذا لم نتعاطف مع الجنود الذين وصلت بهم لعبة الحياة إلى هذا المستوى من اللاإنسانية سنوات طويلة، وقد تعاطفنا مع اللاعبين بعد بضعة أيام فقط عندما حولتهم اللعبة كذلك إلى سفاحين وقتلة؟.


     عندما يموت صديق البطل، نشعر بالحزن لأن المسلسل قد هيّأنا عاطفيًا للتعاطف معه، في حين تظل الأرواح الأخرى التي أُزهقت مجرد أرقام لا تؤثر فينا. هذا التباين يعكس تحكم السرد في استجاباتنا العاطفية، ويدفعنا إلى التساؤل عن معاييرنا الأخلاقية. وهذا تمامًا ما يحصل معنا في مشهد الحياة.
الجنود يُصوَّرون كأدوات بلا إنسانية في العمل، مما يبرر عدم تعاطفنا معهم. المسلسل يوجه المشاهد عمدًا لتجاهل السياقات التي دفعتهم إلى هذا المستوى من القسوة، مما يجعلنا لا نلتفت إليهم بتاتًا رغم أنهم واللاعبين لا يختلفون في الطرق التي اختاروها أو فُرضت عليهم من النظام.

ألا ترى أن صناع المسلسل يمارسون اللعبة ذاتها علينا كمشاهدين؟ هذا لأننا ببساطة لا نختلف ولن نختلف عن هؤلاء الذين نشاهدهم أبدًا.
إننا نقيس حياة الآخرين وفقًا لمبادئنا الأخلاقية التي ينظمها الصواب، ونختار أن نناصر القادة الذين نعتقد أنهم نصراء الحق، حتى لو كانت خياراتهم الفاسدة هي التي أوصلتهم إلى هذا العبث الدموي.

نعم، إن المشاهد يتقمص دور "صانع اللعبة". فالمسلسل يضع المشاهد في موقع مشابه لصناع اللعبة، حيث نقيم الآخرين، نختار من ندعمه ومن نرفضه، ونشعر بالراحة أو الغضب بناءً على نتائج غير مرتبطة بأخلاق اللعبة نفسها.

إننا نناصر البطل رغم أفعاله الأنانية، ونتجاهل المرأة الحامل كرمز للضعف في معركة النجاة. هذه المفارقة تكشف عن المعايير المزدوجة التي نحكم بها على الواقع.
صُنّاع المسلسل لا يكتفون بعرض مأساة اللاعبين، بل يحوّلون المشاهد نفسه إلى جزء من اللعبة.
نخضع كمشاهدين لاختبار نفسي غير واعٍ. المشاهد يصبح مشاركًا غير مباشر، تختبر اللعبة تحيزاته، مخاوفه، وغرائزه البدائية.

هذا العمل يعيد صياغة مفهوم "الإنسانية"، موضحًا أن الظروف هي التي تصنعنا" اللاعبون والجنود" كلاهما ضحية لنظام دموي أكبر قائم على نزواتنا ورغباتنا البشرية.



     ما يجعله عملًا عبقريًا ليس فقط سرديته الدرامية، بل قدرته على فضح ما نحاول إنكاره عن أنفسنا. نحن لسنا مشاهدين محايدين، بل شركاء في اللعبة، نحكم، ونقرر، ونتعاطف، ونرفض، وفق أهوائنا. المسلسل يكشف لنا أننا لسنا مختلفين عن الشخصيات، سواء كنا لاعبين في "لعبة الحياة" أو متلقين لهذه اللعبة فقط.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الكتاب الذي لم نقرأه كما كُتب: كيف حُرّف (الخالدون المئة) في ترجمته العربية

     كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عن كتاب (الخالدون المئة) لمايكل هارت أثناء دراستي الجامعية، في محاضرةٍ لأستاذٍ كان على الأغلب يذمّ المستشرقين، لا لاستشراقهم وحسب؛ بل للأفكار المخالفة التي انطلقوا منها، ويخصّ بالذمّ من نقل عنهم واتبعهم دون مساءلة. غير أنّي وجدتُ في ذكره لهذا الكتاب تحديدًا تلطّفًا غير معهود، بل مسحةً من حنوٍّ وتمجيد. وقد راعني الأمر؛ فقد ذكر كتابًا لكاتبٍ غربيٍّ فلم يذمّه، بل توقّف عنده برِقّة، وذكر فيه ما رآه جديرًا بالذكر. قال يومها: إن هذا الكتاب قد ترجمه أنيس منصور عن مايكل هارت، وقد اختصّ فيه هارت النبيَّ محمدًا بالمرتبة الأولى، واعتبره أفضل وأعظم من ترك أثرًا في تاريخ العالم. عدتُ آنذاك إلى ترجمة أنيس منصور، فوجدتُ فيها ما أشار إليه أستاذ المحاضرة من نَعْتٍ طيّبٍ وتمجيدٍ واضحٍ لشخصية النبي محمد. توقّفتُ عند هذا النصّ المترجَم، ولم يخطر ببالي أن أفتّش عن النسخة الأصلية للكتاب. وبعد سنواتٍ عدّة، حين أدركتُ عبر التعلّم والمطالعة والقراءة أن المترجم ليس دائمًا أمينًا في نقله، إذ قد تحكمه عقيدةٌ يحملها، أو فكرةٌ يُبشّر بها، أو يقع في السهو، أو يخو...

فلم (بعد العاصفة) لمريم البحراني: الحرب وآثارها النفسية في ذاكرة الإنسان.

  هل يمكن أن تُولد العدالة من رفع السلاح؟ أم أن الحرب، مهما تزيّنت بشعارات الإصلاح، تظل فعلًا ضد الإنسان؟ في الحرب لا توجد خديعة، بل خداع منظم تحت عرش السلطة وعباءة العقيدة ولواء الولاء، تُباركها صحف تقدّس لتُدنّس بها الإنسانية. باسم كل كلمة مقدسة تُستدعى فيها الحرب، تأتي رافعة بيدها إعلان الإصلاح والخلاص، كأنها تُبشّر بعهدٍ جديد، بينما لا تورث سوى الرماد. فهل عرفنا حربًا أصلحت؟ حربًا لم تُفسد زرعًا ولا بنيانًا، ولم تُسفك دماء الأبرياء، ولم تتحطم فيها الأحلام وتُعطب النفوس؟ أذكر لي حربًا واحدة تُؤمن بأنها صالحة. مابعد العاصفة : هل تهدأ العاصفة حقًا؟ هل الحرب تنتهي فعلًا، أم أنها تبدأ حين ينجو الإنسان من رمادها ليكتشف أنه أسير حتى آخر رمق؟ من ينجو من الحرب؟، أهو ناجٍ أم حاملٌ لندوبها في ذاكرته؟ هل يترك العنف للحلم والأمل موضعًا في نفس شهدت الخراب، أم أن العاصفة تستوطن الذاكرة، فتصير الحرب مقيمة في أعماق الهاربين منها؟. فلم بعد العاصفة لمريم البحراني الفلم الذي يتناول آثار الحرب لا يعرض معركة عسكرية، بل صراعًا وجوديًا بين الإنسان وذاكرته، بين الرغبة في الحياة واستبداد الذاكرة العن...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...