التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"مختار الدباغ" من دلوع الماما إلى وحش الانتقام، تحليل نفسي لعوامل تشكل الشخصية في مسلسل "ولاد بديعة" السوري.



"مختار الدباغ" من دلوع الماما إلى وحش الانتقام، تحليل نفسي لعوامل تشكل الشخصية في مسلسل "ولاد بديعة" السوري

جسّد الفنان "محمود نصر" في مسلسل "ولاد بديعة" شخصية من أهم الشخصيات التي تتسم بالتعقيدات النفسية الشديدة والاضطرابات السلوكية.

"مختار الدباغ"، الابن البكر لعارف الدباغ، شخصية تعاني من صراعات داخلية خطيرة وشديدة تتجلى في قراراتها وسلوكياتها، شخصية قد نصادفها كل يوم في حياتنا أو ربما تعيش وسطنا. وقد برع محمود نصر في تجسيد شخصية مختار واستطاع بقدرته الفنية إظهار عمق الاضطرابات النفسية والسلوكية التي تعاني منها الشخصية وقدمها في قالب درامي متكامل بين الأداء الجيد والتقمص الفني المذهل.

كيف تكونت شخصية مختار؟

الأسباب والعوامل

أولاً: علاقته بوالدته، شخصية والدة مختار الدباغ وتأثيرها على نفسيته:

أم مختار تأتي من طبقة راقية، فرغم حبها لزوجها ومحاربتها أهلها للزواج منه، إلا أنها تظل تنظر إلى زوجها وبيئته بنظرة دونية وترفض أي علاقة أو ارتباط بهذه البيئة.

تمثل والدة مختار نموذجًا لشخصية مزدوجة: امرأة محاربة ومخلصة لزوجها، لكنها تحتقر بيئته. هذا التناقض يجعل منها شخصية تحمل صراعًا داخليًا: فهي تدافع عن حبها، لكنها ترفض كل ما يمت إليه بصلة، مما يجعل حبها مشروطًا ومقيدًا بمفاهيمها الطبقية، رافضه أن ينخرط ولدها في هذه البيئة.

تأثير الأم على مختار يتجلى في عدة أبعاد:

أ. زرع الطبقية والنظرة الدونية للآخرين

منذ صغره، تربى مختار على أن الناس في بيئة والده ورفاقه مجرد "حشرات" و"طفيليات"، مما جعله يرى الفقراء ليس كأشخاص، بل كائنات دونية. وهذه النظرة زرعت داخله شعورًا بالاستحقاق الزائف، أي أنه يرى نفسه أعلى من محيطه.

ب. الحماية المفرطة وتأثيرها النفسي

من خلال رفضها لانخراطه في عمل الدباغة، لم تحمه فقط من المهنة، بل من تجربة الاحتكاك بالعالم الحقيقي، مما جعله هشًا نفسيًا عند مواجهة البيئة القاسية، حيث أصبح لديه إحساس بالعجز أمام بيئته الأصلية، وكأنه محاصر بين الانتماء إليها والرفض الداخلي لها.

ج. تغذية مشاعر الغضب والرفض

كانت الأم دائمًا تنقل له مشاعر الرفض تجاه الآخرين، لهذا نشأ وهو يرى العالم مكانًا عدائيًا، مما يفسر شخصيته المتحفظة أو العدوانية. كذلك، تبنيه لعواطف والدته السلبية جعله غير قادر على التعاطف، بل صار أكثر ميلًا للعنف أو العقاب ضد من اعتبرهم "أدنى" منه.

النتيجة: نشأ مختار في بيئة متناقضة غير مستقرة:

بيئة والده: متواضعة، شعبية، تعتمد على الحرف والعمل اليدوي.

بيئة والدته: تنظر للطبقة الفقيرة بازدراء، وتسعى لرفع مستواه الاجتماعي.

هذا التناقض يولد داخله توترًا نفسيًا مستمرًا، وقد يدفعه إلى اتخاذ قرارات متطرفة لإثبات نفسه، فوالدته جعلته يرى العالم بعدسة الاحتقار والخوف، مما زرع فيه عجزًا عن التواصل الإنساني الطبيعي.

ثانيًا: علاقة مختار بوالده:- الأب - نموذج السلطة الشرقية الصارمة:

والد مختار يمثل النموذج الذكوري التقليدي في المجتمعات الشرقية، الذي يرى الرجولة في القوة والاعتماد على الذات والعمل الجاد.  كذلك، يتمسك ببيئته وقيم طبقته، ويعتقد أن الشجاعة والعمل هما الثروة الحقيقية، وليس المكانة الاجتماعية أو التعليم كما ترى زوجته. ودائمًا ما كان يحتقر الأساليب التربوية التي تتبعها الأم، ويعتبرها سببًا في ضعف شخصية ابنه، مما يخلق فجوة عاطفية عميقة بينهما.

يجد مختار نفسه ممزقًا بين قطبين متناقضين أمه التي تريده راقيًا ومترفّعًا عن بيئة والده، والتي تغذي فيه الشعور بالتفوق والرفض، ووالده الذي يريده قويًا وجريئًا مثل إخوته، والذي يربط حبه له بمدى إثباته للرجولة والقوة، هذا الوضع يضع مختار أمام معضلة نفسية، فإذا تبنى قيم والده (القوة والعمل اليدوي)، فإنه يخون تربية أمه ونظرتها له كشخص راقٍ ومتعلم. وإذا تبنى قيم أمه (الرقي والترفّع عن العمل اليدوي)، فإنه يخسر احترام والده، الذي يراه ضعيفًا و"دلوع أمه".

النتيجة: تأثير الأب على مختار – أزمة الثقة بالنفس

بسبب رفض والده لشخصيته، تتشكل داخل مختار عدة صراعات نفسية منها:

• الإحساس بعدم الكفاءة، فيشعر بأنه أقل شأنًا من إخوته، خصوصًا شاهين، الذي يمثل صورة "الابن المثالي" في عين والده.

• التعلق المرضي بالأم: كلما زاد رفض والده له، كلما ازداد قربًا من أمه، مما يعزز ضعف شخصيته وعدم استقلاليته. والخوف من الفشل: يصبح لديه هوس بإثبات ذاته، لكنه في  نفس الوقت يخاف من المواجهة، مما يجعله مترددًا وعاجزًا عن اتخاذ قرارات قوية.

ثالثًا: علاقة مختار بأخوته من بديعة التنمر والإقصاء النفسي

إخوته من بديعة مصدر دائم للرفض والتنمر والاحتقار، يرونه لا يستحق الامتيازات التي حصل عليها، يشعرون بالحقد والحسد لأن حياته أكثر استقراراً ورفاهية مقارنة بهم. ويحملون في داخلهم شعورًا بالنقص (بسبب كونهم أبناء غير شرعيين)، وهذا يولّد لديهم حاجزًا نفسيًا يجعلهم يتصرفون بعنف وعدائية تجاهه لتعويض هذا النقص.

فمختار هو الابن الشرعي، المدلل، ابن المرأة الراقية، صاحب الحياة المستقرة. أما إخوته من بديعة فهم أبناء بيئة قاسية، يحملون في داخلهم صراعًا بين كونهم مهمشين اجتماعيًا وبين شعورهم بالتفوق الذاتي.

هذا التناقض يجعلهم يُسقطون غضبهم وحقدهم على مختار، فهم يرونه أضعف وأقل رجولة لكنه يحصل على حياة أفضل منهم. فيصبح مختار هدفًا دائمًا للتنمر والرفض، ليس لأنه مذنب، بل لأنه يمثل كل ما يفتقدونه في حياتهم.

رابعًا: بديعة وأولادها كمصدر تهديد وجذب متناقض  

بديعة امرأة ضعيفة، فقيرة، ومجنونة، لكن في الوقت نفسه، هي صورة الحب والاهتمام اللذين يفتقدهما مختار. تُذكّره بالحب المفقود الذي كان يمكن أن يحصل عليه، فرغم ضعف بديعة وجنونها، إلا أن والده يخصها بحب واهتمام وحماية لم يُمنحها لمختار أو أمه أبدًا. في نظر مختار، بديعة تمثل صورة لافتقاد الحب الذي كان من المفترض أن يكون من نصيبه. 

كيف يراهم في حياته؟

"حشرات وطفيليات" 

أُمُّه كانت تزرع في ذهنه تصوراً عن الآخرين على أنهم "حشرات وطفيليات".

في عينيها، بديعة وأبناؤها كانوا مجرد عبء اجتماعي، غير جديرين بالاهتمام.

هذا التصور يُعمّق الفجوة بين مختار وواقعه الاجتماعي والذاتي، حيث يشعر بأنه في مكان لا يستحقه، وأنه مُغترب عن محيطه، خصوصاً عندما يرى والده يُظهر نوعاً من التسامح والتقدير تجاه بديعة، وهو لا يجده في سلوكه تجاهه.

والنتيجة أن مختار يرى بديعة وأبناءها مصدر تهديد لمكانته النفسية والعاطفية. هذا التهديد مرتبط برغبته العميقة في استعادة حب والده وتقديره، فهو يشعر أن كل الاهتمام الذي يُمنح لها مسلوب منه.

كذلك كان مختار يرى بديعة وأولادها عائق نفسي في حياته وحياة أمه، وهو شعور ناتج عن الصراع الداخلي العميق الذي يعيشه بين الحاجة إلى الحب والرعاية وبين الرفض الاجتماعي والعائلي الذي يعانيه. هذه الرؤية تُساهم في تشويه فهمه للعلاقات الأسرية والمجتمعية، وتحفزه على التصرفات القاسية التي تعكس صراعاً مع ذاته ومع محيطه.

بديعة وأبناؤها في عيون مختار ليسوا أشخاصًا مغضوبًا عليهم فحسب، بل رمزًا للتهديد الذي يحرمه من الحب والاهتمام اللذين يعجز عن الحصول عليهما. هو يرى أن وجودهم في حياة والده يعكس غضبًا ورفضًا لعلاقته به، ويُشعره بأن كل العاطفة التي يُفترض أن تُمنح له تُسحب لصالح هؤلاء. وإحساسه بالعجز والرفض اللذين يعيشهما على يديه وعلى يد والدته يُعمق شعوره بأن بديعة وأولادها هم سبب هذا الفشل العاطفي.

النتيجة: محاولة التخلص من العائق

في سياق محاولته استعادة حب والده وتحقيق القبول الاجتماعي، يظن مختار أن التخلص من هذا العائق (بديعة وأولادها) هو الحل الوحيد لاستعادة مكانته في الحياة.. فيحاول قتلهم، وهنا تبدأ مرحلة التحول النفسي الحقيقي. 

مرحلة التحول النفسي في شخصية مختار: 

يبدأ مختار مرحلة تحول نفسي عميق، فيحاول قتل بديعة وأولادها، وينجح في قتلها، لكن أولادها ينجون، في نفس الوقت يموت والده، ويكتشف إخوته فعلته. عندها يتعرض مختار لتعذيب نفسي وجسدي، وضرب شديد من قبل إخوته، يُفقده على أثر هذا التعذيب القدرة الجنسية، وتتدهور حالته الصحية والنفسية، فيُدخل الطب النفسي. 

مع فقدانه القدرة الجنسية بسبب التعذيب، يدخل مختار في مرحلة تدمير ذاتي، فالألم الذي يعانيه جسديًا يصبح انعكاسًا لما يعانيه داخليًا، حيث تتحول مشاعر الإحباط والخوف والندم إلى عجز تام. 

هذه اللحظات تمثل ذروة التدمير النفسي لمختار، حيث يُجبر على مواجهة الآلام التي أحدثها في نفسه وفي حياة الآخرين، وفي الوقت نفسه، يشعر بالعجز الكامل عن العودة إلى الحياة الطبيعية أو حتى التصالح مع ذاته.

التشخيص النفسي:

في المستشفى، يُشخص مختار بمرض انفصام الشخصية (الشيزوفرانيا): اضطراب نفسي خطير ومعقد يؤثر على التفكير، والعواطف، والسلوك، وقد يتسبب في انفصال عن الواقع. يُعتبر من الأمراض النفسية المزمنة التي تؤثر على قدرة الشخص على التفكير بوضوح، واتخاذ قرارات منطقية، والتفاعل مع الآخرين بشكل طبيعي.

هذا المرض، كما جاء في السرد، وراثي كان كامنا في جيناته، وساعدت الظروف والبيئة في ظهوره.

التحول النفسي والسلوكيات بعد خروجه من المستشفى: 

بعد خروجه من المستشفى يبدأ مختار في تشكيل هوية جديدة تتشكل في عدة أمور: 

1. محاولاته للانتقام المستمر:

يعكس هوس مختار بالانتقام من إخوانه شعوره بالتهديد والخوف الشديد منهم. في نظره، هم عائق يحجبه عن فرصته في العيش بسلام، ويعتبرهم مسؤولين عن سرقة حقوقه وحياته، مما يعزز لديه فكرة أن هؤلاء الأشخاص غير مستحقين للوجود في حياته.

2. علاقته مع الآخرين (خوف وتوتر):

أدت وفاة والدته وتعرضه لفقدان الأمان والحماية إلى مواجهته الوحدة النفسية والعاطفية بشكل أعمق، مما انعكس على علاقاته اللاحقة مع الآخرين. فلا يستطيع مختار بناء علاقات مستقرة أو طبيعية، لأن شعوره بالوحدة وفقدان الرعاية والقبول جعله يميل إلى علاقات مشوهة، مليئة بالخوف والتوتر، وتفتقر إلى الثقة المتبادلة.

3. تهديد صديقه وكشف ماضيه:

يحاول صديقه المقرب، وهو الشخص الوحيد الذي يثق به مختار، تهديده وسرقته.  يُحفز تهديد صديقه حالة دفاعية مفرطة لديه، حيث يرى أن أي تهديد قد يكشف أسراره أو يفضح ماضيه سيكون بمثابة هجوم عليه. يتعامل مع أي تهديد باعتباره تهديدًا مباشرًا لهويته الشخصية وأمنه الداخلي، فيلجأ إلى الدفاع عن نفسه بطريقة عدوانية لتفادي الانكشاف.فيقوم بخطف صديقه وتعذيبه حتى يفقد عقله.

4. محاولاته للتقرب من الموجودين أمام المسجد وعلاقات اجتماعية سطحية

  • يحاول مختار الانخراط في علاقات اجتماعية دينية، ونشر مشاركاته في المسجد والعمل التطوعي بشكل ملحوظ.
  • محاولاته للتقرب من الآخرين وفرض نفسه في تطبيقات التواصل الاجتماعي يعكس حاجة ماسة للقبول الاجتماعي ورغبة دفينة في الظهور بمظهر المحبوب والمقبول رغم تصرفاته الفوضوية والعنيفة.
  • يسعى مختار من خلال هذا الإلحاح لإخفاء ضعفه الداخلي ورغبته في التقدير والاحترام من خلال رسم صورة اجتماعية مثالية يمكنه من خلالها استعادة شعوره بالأهمية.

5. رفضه لحبيبته بعنف:

تتهمه حبيبته بخطف صديقه وترفض علاقتهما، لكنها، مع الوقت تعتقد أنها قد ظلمته حين لا تجد أي دليل يدينه، فتحاول بشتى الطرق مصالحته والعودة إليه، لكنه يرفضها بطريقة عنيفة. فرفضه لحبيبته بعد أن اتهمته بقتل صديقه يمثل ردة فعل شديد للانتقام وحماية لكرامته. 

6: شيخ الجامع عامل تهديد آخر

يبدأ مختار في تقديم نفسه كشيخ ومصلح اجتماعي، وتتبعه جماعة كبيرة من الناس وتدعمه. لكن شيخ الجامع يلاحظ مع الوقت الفساد النفسي والمغالطات التي يقع فيها مختار، فيحاول التصدي له.

في هذه المرحلة من تطور شخصية مختار، نلاحظ تأصيلاً أعمق لمفهوم الأحقية والملكيات الداخلية التي تكون قد تطورت في عقله عبر سنوات من التهميش والصدمات النفسية. شعوره لأول مرة بالقبول الاجتماعي من قبل الشباب الذين يتبعونه يعكس حاجة عميقة إلى التقدير والاعتراف، وهو ما لم يحصل عليه طوال حياته، خاصة في ظل تجاهل والدته ورفض والده لشخصيته. وعندما يشعر مختار بالقبول لأول مرة ويبدأ في استقطاب بعض الشباب الذين يتبعونه، يتسلل إلى ذهنه إحساسٌ بطويلِ الإهمال الذي عاشه. لهذا فمحاولات الشيخ تمثل له الشعورَ بالمنافسة وتكرار الماضي حيث تم التقليل من شأنه طيلة حياته. عندها يقرر مختار اتخاذ رد فعل دفاعي عدواني حيث يعتقد أنه إذا ترك هذا التهديد قائمًا، فإن ذلك سيسلب منه شعوره بالأهمية الذي بدأ يستعيده، فيلجأ إلى تحريض شاب على قتل الشيخ، لأنه يرى أن هذا الشخص يحاول سرقة تلك المشاعر التي يشعر بها لأول مرة.




الختام: الصحة النفسية وعلم الوراثة

وفي دراسة نشرها موقع HARBOR LONDON:

 إن بعض الاضطرابات النفسية، مثل الفصام والاضطراب ثنائي القطب، تحمل مكونات وراثية، حيث تزيد احتمالية الإصابة لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ عائلي مع المرض. ومع ذلك، لا تعتمد هذه الاضطرابات على العوامل الجينية فقط، بل تتفاعل مع العوامل البيئية مثل الصدمات النفسية والضغوط الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى تنشيط الجينات الكامنة أو الحد من تأثيرها. وقد أظهرت دراسات على التوائم أن الوراثة تلعب دورًا مهمًا، لكنها ليست العامل الوحيد، إذ إن بعض الأشخاص قد يحملون جينات تزيد من قابلية الإصابة لكنهم لا يعانون من المرض في غياب محفزات بيئية معينة. وعلى الرغم من أن الوراثة قد تؤثر على الاستعداد النفسي، فإن التشخيص يعتمد على تقييم شامل للحالة، وتشمل العلاجات المتاحة الأدوية والعلاج السلوكي المعرفي والدعم الاجتماعي، بغض النظر عن كون المرض ذا منشأ وراثي أم بيئي.

المصدر: https://harborlondon.com/ar/%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AB%D9%8A%D8%A9/


دراسة أخرى على قناة العربي: دراسات تكشف عن إشارات جينية مرتبطة بمخاطر الإصابة بمرض انفصام الشخصية

https://www.youtube.com/watch?v=dyxbLX8yBrg

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟ -الليبرالية والنسوية كمثال-

تشوّهات المفاهيم في الذهن العربي: لماذا تصل بعض المفاهيم متأخرة ومتطرّفة؟  -الليبرالية والنسوية كمثال- مدخل منهجي: تُعنى اللسانيات الإدراكية الثقافية بدراسة كيفية بناء الفهم داخل العقل البشري من خلال الاستعارات الذهنية والنماذج التصورية المستقرة في الثقافة. وترى هذه المقاربة أن المفاهيم ليست معطيات محايدة، بل تتجذر في الخبرة الجسدية والتاريخية، وتُعاد صياغتها عند التلقي بحسب أنماط مجازية متجذرة في الثقافة. مدخل عام: رغم دخول المفاهيم الحداثية كالليبرالية، والنسوية، والعلمانية إلى الخطاب العربي منذ عقود، إلا أن الوعي الجمعي تجاهها لا يزال يتّسم بالتشوّش، والانقسام الحاد، وأحيانًا التطرّف في التأييد أو الرفض. هذا المقال لا يطرح الإشكالية من باب الجدل الأيديولوجي، بل من منظور إدراكي ثقافي: هل تكمن المشكلة في المفاهيم ذاتها، أم في البُنى الذهنية والمجازات الثقافية التي تشكّل طرق استقبالنا لها؟ ومن خلال توظيف أدوات اللسانيات الإدراكية، ولا سيما نظرية الاستعارة المفهومية والنموذج الأولي، يسعى هذا المقال إلى تحليل كيفية تشكُّل الفهم داخل الذهن العربي، وكيف تؤثر البنى الثقافية واللغوية على...

من كربلاء إلى الأحزاب السياسية: لماذا يصّدر الخطاب السياسي الشيعي بلاغة الانتصار دائمًا؟ -دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي-

-دراسة تحليلية إدراكية في المزج التصوري والرمز السياسي- تمهيد: في بنية الخطاب السياسي، لا يكفي أن نفهم ما يُقال، بل يجب أن نسأل: لماذا يُقال بهذه الطريقة؟ ولماذا تستمر بعض الخطابات في إعادة إنتاج رموز الانتصار والكرامة والثبات، رغم أن الواقع الميداني والسياسي يشي بانكسارات متكررة وخسائر متوالية؟      في السياق السياسي الشيعي على سبيل المثال: تتكرّر هذه الظاهرة في الخطاب بشكل لافت، فيبدو الخطاب بعض الأحيان منفصلًا عن الواقع المباشر، أو منحازاً إلى عالمٍ خيالي، فيعيد تعريف الهزيمة بوصفها انتصاراً مؤّزراً، والخسارة كربح، والانكسار كمعركة فائزة.  يحاول هذا المقال الكشف عن الآليات الذهنية التي تُنتج البلاغة السياسية الشيعية، وتفسر الانفصال الخطابي بين الواقع والمأمول، من خلال توظيف أدوات من نظرية العوالم الممكنة، ونظرية الفضاءات التصورية، وتحليلات راي جاكندوف، إلى جانب مقاربات لسانية عربية معاصرة.  إشكالية البحث: رغم التباين الواضح بين الواقع السياسي الشيعي والنتائج الميدانية والعسكرية، يواصل الخطاب السياسي الشيعي المعاصر إنتاج بلاغةٍ خطابية مفعمة بالنصر والفوز والتف...

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي -آليات التلاعب في الخطاب-

الخطاب السياسي: صناعة الإدراك وتوجيه الوعي  -آليات التلاعب في الخطاب- أهمية الخطاب السياسي وسلطة اللغة في تشكيل الإدراك:       في عالم السياسة، لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدول من ثروات مالية أو ترسانة عسكرية، بل بما تمتلكه من لغة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الإدراك وتوجيهه نحو الآخر. فاللغة السياسية لا تكتفي بوصف العالم، بل تسهم فعليًا في تغييره، إذ تملك سلطة ذهنية هائلة تُمكنها من التحكم في المفردات، وإعادة إنتاج المفاهيم، وتهيئة العقول لتقبّل ما يُراد تمريره من دلالات وأفكار.      فاللغة، شأنها شأن الحدود السياسية، لا تعبر الواقع فحسب، بل تُعيد تقسيمه وفق منظور سلطوي معيّن. "إنها تصنيف مجسّد للأشياء من حولنا، تُعيد خلقها على مستوى الإدراك، وتهيّئ الدماغ لتلقّي المفاهيم ضمن قوالب أنطولوجية محددة. فهي تمنح كل فكرة دالًا ومدلولًا، وتُيسر عبورها إلى الوعي الجمعي، حتى تتحول إلى مفهوم "راسخ" يقاوم الشك والمراجعة.  ولذلك، فإن كل معركة سياسية تُخاض بسلاحين متلازمين: السلاح الفعلي، واللغة. وكما تقتل الرصاصة، قد تقتل الاستعارة كذلك، أو تبرر العدوا...