يقول بيتر ستوكويل: "اللغة ليست جزءًا منفصلًا عن التجربة الإنسانية، بل هي جزء أصيل منها، ولذلك فاللغة طبيعية في أصلها لا اصطناعية"
يقصد بذلك أن التراكيب اللغوية والصياغات النحوية ماهي إلا تمثيلات ناتجة عن الوعي والإدراك الإنساني، فإن التراكيب اللغوية والصياغات النحوية في النصوص الأدبية لا تُبنى بدافع جمالي خالص أو بقصد اتباع معيار نحوي، بل تنبع من حركة الوعي التي تدفع بالأفكار الأكثر حضورًا وهيمنة إلى الواجهة الإدراكية للنص، في حين تُنحّى المعاني الأقل أولوية إلى الخلفية، حيث يتموضع المعنى الذي يريد المؤلف دفعه إلى المقدّمة، في حين تُنحّى الدلالات الأقل اهتماما في وعيه إلى الخلفية.
اللغة هنا لا تتبع ترتيبًا جماليًا أو معياريًا كما ذكرت، بل تخضع لمنطق الوعي الانتباهي- ماذا يريد الكاتب أن يقول لك-، فينسق اللفظ وفق أولويات داخلية في دماغه: ما يستحق أن يكون مركزًا، وما يُترك للمحيط.
مثل هذه المعاني التي تُدفع للأمام وتقحم في وجه القارئ، الهدف منها تقديم العنصر الأفضل تمثيلًا أو تقديم الفكرة المثالية من وجهة نظر المؤلف، وهذه الفكرة التي يدفع بها المؤلف مرتهنة بموقفه لحظة الكتابة، متعلقة بالحال والوضع والتجارب الحسية، وبهذا المعنى، تُصبح الصياغات اللغوية في البكاؤون لعقيل الموسوي ليست مجرد أدوات سرد، بل هي مرآة لتموضع المعاني في وعي المؤلف أثناء الكتابة. فالجمل التي تتصدر النص هي تلك التي يرى الكاتب أنها تمثل فكرته الأكثر نضجًا أو صدقًا أو أولوية، في حين تندرج غيرها ضمن بنية محيطية تمثل السياق، الخلفية، والهوامش المعرفية.
تنظيم الجملة واختيار الفعل:
يستهلّ عقيل الموسوي بعض فصوله براوٍ علِيم غير محايد، يتجاوز دوره السردي إلى التدخّل في تقديم بعض الأفكار ودفع أخرى للأمام، فيدفع بأفكارٍ معيّنة إلى واجهة وعي القارئ، مصادرًا بذلك حقّه في التقدير الحسي والتأويل الذاتي. يقول مثلًا: "ها هي ترفل في الأسود الصارم حدادًا على إمامٍ رحل قبل ثلاثة عشر قرنًا"، حيث لا يكتفي الراوي بوصف الفعل، بل يوجّه المتلقي ضمنيًا إلى تأويله تأويلًا تهكميًا، نازعًا عنه المشروعية في تكوين فكرته الخاصة تجاه الفعل، ومقحمًا دلالة تُصوّره فعلًا غير منطقي، بل أقرب إلى المفارقة الساخرة. نرى أن اختيارات الصياغية والتركيب، لا تترك للقارئ مساحة للحكم التصوري تجاه اختيارات الشخصية، بل تفرض تأويلًا قسريًا يختزل المعنى في اتجاه واحد لا غير.
ويعود الراوي ليمارس ذات الاستراتيجية حين يصف لحظة انشغال الشباب البحراني بالثورة الإيرانية: "راديو طهران ينقل إليهم الفكر الشيعي من كلام منسي في بطون الكتب."
في هذا الموضع كذلك، لا تتشكل الجملة بوصفها تسجيلًا لحالة، بل كأداة خطابية تُعيد ترتيب الوعي لدى المتلقي؛ إذ ينتظم التركيب ليقود القارئ إلى تبنّي رؤية المؤلف بأن ما يُبثّ عبر الراديو ليس فكرًا جديدًا، بل استحضارٌ رومانسي لكلام قديم مهجور.
هذا التوصيف لا يتيح مجالًا لتأويلٍ بديل، بل يفرض قراءة تتسم بالتحكم التأويلي، يُصوَّر فيها الفكر الشيعي كموروث ماضوي أعيد بعثه عاطفيًا لا عقلانيًا، عبر وسيلة حديثة (الراديو)، خالقًا تداخلاً بين ما هو عقائدي وما هو إعلامي، دون أن يُتاح للقارئ أن يفكك العلاقة أو يقاربها من وجهة نظر أخرى.
يتكرّر هذا الدفع في النقل السردي لاحقًا، حين يقول الراوي العليم عن جواد: "انبهر بالخميني إلى حدود خرافية."
إذ يتخلى الراوي عن وظيفته التقريرية، ويتقمص موقف المؤلف الحُكمي، مُعيدًا تشكيل الشخصية ضمن إطار ساخر يحكم عليه مسبقًا. فـ"الانبهار" إلى "حدود خرافية" فينزل الحكم القيمي على الشخصية من جديد لا على الحدث، ما يجعل الشخصية لا تقدم كجزء من الفضاء الاجتماعي الذي يُفترض أن يتعامل معه الراوي بوصفه بنية قابلة للفهم المتعدد، بل يُقدَّم كخصم أيديولوجي.
هذا الانزلاق من التوصيف إلى التقييم يكشف عن ميل في تموضع الراوي العليم؛ إذ لم يعد مجرد ناقل، بل صار ممثلًا لرؤية المؤلف ومواقفه المضمَرة. فالراوي هنا لا ينقل الانبهار كحالة وعي أو تجربة نفسية مرتبطة بزمن الثورة، بل يفرض قراءة استهزائية تقطع الطريق على تأويلات أخرى على القارئ.
تكررت هذه التمثيلات في صيغ أخرى، مثل "وكأن الشعر لم يُخلق إلا للحسين"، وهي ليست وجهة نظر السارد فقط، بل تُجبر القارئ على تبني موقف نقدي محدد مسبقًا، تُعيده إلى إعادة تقييم شخصيات الرواية من زاوية مشبعة بالرفض.
وعندما يقول النص "من دون أن تهتم بمصداقية التاريخ، لا تكترث بحقيقة كم من الرجال قتل العباس"، فالمؤلف هنا لا ينقل فقط ما تعتقده الشخصية، بل يحكم عليها من منظوره الفكري الخاص، كما لو أنه يُقيد الصورة التي يتشكلها القارئ عن الشخصية، فلا يترك لها حرية في التشكل داخل وعي المتلقي.
أما في صياغة جملة "لا أحد يعرف إنه حلم مؤجل، يشبه عقيدة انتظار ظهور المهدي"، فهذا تأكيد جديد من المؤلف على موقفه الصارم، حيث لا يقدم شخصياته فقط، بل يدين عالمهم ويكشف رفضه بشكل مباشر وصريح، وكأنه ليس مجرد خالق لعالمهم، بل ناقد داخلي.
المفارقة البنيوية في رواية البكاؤون أن عقيل الموسوي اختار صوتين للسرد: الراوي العليم، والراوي الداخلي المشارك (صادق). غير أن كليهما لا يخرج عن وظيفة الدفع بالشكل وتحييد الخلفية. فـ"صادق" يبدو وكأنه الامتداد العضوي لأفكار المؤلف، يعبر عنه دون قيد، يصرخ بتمرّده، ينسج خطابه السردي بحرية مطلقة، يشتبك مع الواقع من موقع تمثيلي لا سردي فقط.
في المقابل، تُصادر بقية الشخصيات من حقها في هذا الفضاء، إذ لا تملك ذات الامتياز في تشكيل أصواتها أو الدفاع عن تموضعاتها؛ فالسارد العليم، الذي كان من الممكن أن يكون ناقلًا محايدًا، يتحول إلى سلطة تفسيرية، يضع الشخوص تحت مجهره، يُدين، يُعلق، ويُسقط رؤيته عليهم، فلا يسمح لخطاباتهم بالتبلور، بل يسبقهم بالحكم ويوجه القارئ لقراءتهم من زاويته وحده.
البكاء كحياة: الاستعارة العظمى في رواية "البكاؤون"
تحكم البنية السردية للرواية استعارة كبرى تُهيمن على فضاءها التخييلي والفكري: البكاء لا يرافق الحياة، بل يعادلها. ليست المسألة تأقلم البكاء مع الحياة، بل تأقلم الحياة مع البكاء. ومن هنا، يغدو البكاء في المخيال الشيعي، كما يصوره الموسوي، هو المعنى والشرط والهوية، ويُستعار كوظيفة وجودية.
في هذا النص، البكاء لا يُمارس كاستجابة عاطفية، بل يُنتج العالم. تتحول استعارة "كل أرض كربلاء، وكل يوم عاشوراء" إلى جهاز رمزي شامل يعيد تشكيل الجغرافيا والذاكرة والطقوس: لندن كربلاء، غرفة النوم كربلاء، ساحة الملعب كربلاء، مجلس النواب كربلاء، الولادة والزواج والموت لحظات عاشورائية. كل مفصل من مفاصل الحياة يعاد إنتاجه تحت مركزية البكاء.
ويصل الأمر حدّ المفارقة حين يُصوَّر تخلي المؤلف ذاته عن هذه البكاء كفعل تمرد داخلي، لكنه يبدو خائفًا، مذعورًا من فقدان البكاء لأنه بذلك يفقد الحياة نفسها. فالبكاء ليس حالة شعورية، بل بنية وجودية وامتداد له كفرد ضمن هذه المؤسسة.
والمفارقة الأكبر أن هذه الاستعارة لا تعمل بالتكافؤ في بقية المكونات الاجتماعية: ففي لحظة موت إحدى الشخصيات السنية، يصبح البكاء ذاته دالًا على العذاب، والإثم، والانقطاع عن الرحمة. هنا، تنقلب الوظيفة الرمزية للبكاء من الحياة إلى الدينونة كما يقدمها النص السردي.
بهذا المعنى، تؤدي الاستعارة الكبرى للبكاء وظيفة تأسيسية في تكوين الثقافة وإنتاج السلوك العام والفردي. لكنها لا تتوقف عند كونها حاملًا ثقافيًا، بل تتعدى ذلك لتصبح آلية برمجة للسلوك الثقافي، تُعيد إنتاجه ضمن منظومة طقوسية وشعورية ومعرفية مغلقة، حيث يصبح الانتماء مرهونًا بالبكاء، والنجاة رهينة الانصهار فيه.
في الختام:
قدّم الموسوي عملاً سرديًا جديدًا في نوعه، متفردًا في بنيته، أصيلًا في طرحه. رواية لا تكتفي بصناعة عالم تخييلي، بل تفتح ما يشبه الذاكرة المؤسِّسة لهوية تاريخية مغيّبة، مركّبة، ومعقّدة. إنها لا تسرد فحسب، بل تفسّر.
هذا النص لا ينحصر في حكاية، بل يتجاوزها ليغدو تفسيرًا شعريًا ـ سرديًا لمصائر الأفراد والمكوّنات في البحرين، وبالأخص مكوّن "البحارنة" الذين يختزلهم في منزل قديم، تتقاطع داخله مصائر الشخصيات المتباينة، وكل شخصية منهم تمثّل مظهرًا من مظاهر الانتماء، والتمزق، والوعي، والتمرد.
يتحول البيت إلى مجاز لوطن متشظٍ، ويتحوّل السرد إلى مرآة يرى فيها الجيل الجديد صورة تاريخه لا بوصفه ماضٍ ساكن، بل بوصفه بنية فاعلة لا تزال تشكّل وعيه في لحظة سياسية وعقائدية واجتماعية متأزّمة، حيث تتصارع مؤثرات الداخل والخارج، الدين والسياسة، الطقوس والتحوّلات الحديثة.
رواية البكاؤون بهذا المعنى ليست تأريخًا أدبيًا، بل أدلجة للسرد، وتفكيك للهوية، واستعادة سردية لصراعٍ ظلّ طويلًا غير معلن.

لم أفكر بالسلبية التي فكرتي بها. وكأنني حسبت بأن صادق هو السلبي وليس الكاتب!! ولكن الكتاب شجاع جدا.
ردحذف