وصلتني رسالة من رئيس تحرير مجلة عربية مؤثرة في العالم العربي، بعد شهور من الانتظار؛ وهي، في الحقيقة، شهورٌ قليلة جدًا في حق مجلة من أهدافها نشر الوعي بين الجيل الجديد، وكما يقول رئيس تحريرها تحديدًا: «بثّ الثقافة في زمن توقفت فيه إشارات الانفتاح الثقافي بين الناس».
يقول فيها: «عزيزتي، لقد اطّلعنا على المساهمة التي أرسلتِها للنشر، وقد وجدناها مشاركةً ذات طابع علمي وثقافي قيّم جدًا، غير أننا نعتذر لكِ عن النشر في مجلتنا؛ بسبب طابع الطرح الذي يميل إلى الرصانة العلمية».
و«الرصانة العلمية»، كما تبيّن لي لاحقًا، ليست ميزة؛ لكنها مخالفة صريحة لقواعد النشر.
وعندما راجعتُ رئيس التحرير في طلب خجول لتوضيح مفهوم «الرصانة العلمية»، أخبرني أن مساهمتي لا تتّسق مع نوع القارئ الذي يحرص على الحفاظ عليه: قارئ يبحث عن خبر سريع «ما يعوّر راسه» ولا يُطلب منه أن يذهب إلى البحث بعد المقال أو قبله.
قارئٌ يأكل النودلز لأنه يكره أن يقلي بيضة، هل تريدينه أن يترك مقالًا عن أخبار مسرحية «بطة البطوطة» ليقرأ لماذا هو يلهث خلف أخبار مسرحية «بطة البطوطة»؟!
فسبب الرفض، بكل وضوح، أن المساهمة لا وقت لها عند آكل النودلز ومستهلك أخبار البطّات.
والمشكلة ليست أن المقال يحتاج إلى عشر دقائق من القراءة؛ المشكلة أن تلك الدقائق قد تكون كافية لحدوث كارثة: قد يفكر القارئ.. وتنتهي مساحات أخبار هجرة البطات إلى دبي.
احترمتُ بالطبع صراحته، وتفهّمتُ أن لا أحد، حقًا، متفرغٌ لأن يُجهد عقله عشر دقائق في فهم مشكلاته؛ المشكلات التي يبحث عن حلولها طوال عمره، لكن من دون «عوار راس».
فالناس مشغولة جدًا، ولا وقت لديها لفهم أسباب القلق الذي يستهلكها.
ثم توالت رسائل الرفض، إذ توضّح، أن أهم أسباب رفض المساهمات كونها ذات جودة عالية وتحمل رصانة علمية. وقد طلبت مني عدّة صحف، بشكل لطيف، الاختصار الشديد، وأرسلت لي، مشكورةً، نموذجًا لمقال نُشر في لمح البصر، ولم يقبع في قائمة الانتظار مثل مساهماتي التي تحلل وتشرح لماذا يتحيّز القارئ في قراءته.
وكان عنوان المقال: «القراءة مفيدة جدًا».
وأخبرني أن المقال الذي نُشر بعنوان «القراءة مفيدة جدًا» كتبه صاحبه وهو يشرب القهوة على أنغام الموسيقى، ويصوّر «سناب» ليشرح فيه مقدار الإرهاق الذي يلحقه التفكير، والألم الذي يصاحب لحظة تولّد الأفكار.
وأظن أن ألم تولّد الأفكار جعله، هو والمحرر، ينسَيان مراجعته قبل النشر.
ونصحني أن أبتعد عن طبيعة ما أمارسه في حق نفسي من قراءة المراجع والمصادر والدراسات، التي تطول بها المدة وتمتد، حتى أكتب مقالًا لن يُنشر.
وقد احترمتُ رأيه بالطبع؛ فهو صادق.
فمن ذا الذي يقبع شهورًا ليقرأ النظريات، ويفكك المفاهيم، ويراجع الدراسات التي سبقته، ويتتبع حججها، ثم يحاول أن يخرج منها بفكرة تستحق أن تُكتب، فقط ليكتب مقالًا؟
بالطبع، من يفعل ذلك إنسانٌ شقيّ، تعلّم على الجلد والشقاء، ولم يتعلم بعد الحكمة الحديثة: اختصر، بسّط، لا تتعب القارئ، ولا تفتح له بابًا قد يقوده إلى التفكير.
ومن يفعل هذا لا بد أنه قابع في فترة النهضة العربية؛ يقرأ مقالات طه حسين، وصراعات العقاد، ونقد هيكل، ومسرحيات الحكيم.
شخص حكم على نفسه بالبقاء في صحف كان معيارها في النشر الرصانة العلمية؛ شخص ليس قابعًا فقط في صحف الماضي، بل ملتصق بالزمن الذي كانت فيه الصحف والمجلات لا تنشر أي مساهمة إلا بعد أن تُدقّقها في جوانبها كافة، وكانت كل مساهمة تُطبع على صفحاتها لا تخرج عن معايير الجودة الأساسية: الأسلوب، والسلامة، والتفكير الناقد.
يا لها من عادات قديمة.
أن تراجع المادة قبل نشرها، أن تهتم باللغة.
أن تفترض، ولو للحظة، أن القارئ المرهق ليس كائنًا ينبغي حمايته من الأفكار الثقيلة.
وبالطبع هذه ليست مشكلة الجرائد والمجلات التي تريد الحفاظ على منصاتها في ظل تراجع القراءة. فأنا لا أدينها مطلقًا.
لكنها مشكلتي وحدي. أنا التي أريد للناس أن تدع مشاغلها المضنية وبحبوحة الريلز، وتقرأ ما يذكّرها مجددًا بقرف الحياة.

تعليقات
إرسال تعليق